fbpx
تقارير

ما بعد جنيف: العملية السياسية الليبية ـ المواقف والسيناريوهات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تواجه العملية السياسية الليبية حالة انسداد محتملة للأفق السياسي جراء محاولة البرلمان الليبي الانفراد بتحديد ملامح العملية السياسية المقبلة فيما يتعلق بالانتخابات المزمع عقدها في ديسمبر وتحديد شروطها ووضع قانونها والقاعدة الدستورية للانتخابات بعيدا عما يقضي به الاتفاق السياسي من ضرورة التنسيق بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، وكذلك محاولة الأطراف المختلفة المحلية والدولية الضغط على الأطراف بعضها وعلى لجان صياغة التشريعات الممهدة للانتخابات  للتأثير في توجيه هذا الجدل باتجاهات مختلفة، وذلك في ضوء فشل عدة محاولات للتوافق على هذه التشريعات سواء من قبل البرلمان أو ملتقى الحوار السياسي ولجنة التوافقات المنبثقة عنه أو المجلس الأعلى للدولة ووجود عدة نقاط عالقة. تحاول هذه الورقة رصد وتحليل التطورات الراهنة لمواقف الأطراف المختلفة للعملية السياسية والسيناريوهات المحتملة ومعالجة كيفية التعامل معها على نحو يحد من احتمالية الانزلاق لسيناريوهات خطيرة في ظل صعوبات كثيرة قد تحول دون التوصل إلى اتفاق بشأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يرضي جميع الأطراف والشارع معاً.

المواقف المحلية من العملية السياسية:

في ٣١ يوليو 2021 انتهت لجنة صياغة التشريعات الانتخابية بمجلس النواب من بحث ومناقشة تفاصيل قانون انتخاب أول رئيس في تاريخ ليبيا مباشرة من الشعب وكذلك قانون انتخاب مجلس النواب القادم[1]، وبرغم تنسيقها مع رئيس المفوضية العليا للانتخابات وبعثة الأمم المتحدة للدعم إلا أنها لم تقم بالتشاور مع المجلس الأعلى للدولة، وهو القانون الأهم والذي على أساسه وبعد التصويت على القانون من قبل مجلس النواب سيتم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المباشرة من الشعب.

في قراءة خاطئة للاتفاق السياسي والإطار الدستوري الحاكم لعمل البرلمان وبما يؤشر لوجود أزمة، فبينما عقدت لجنة إعداد مقترح قانون الانتخابات في المجلس الأعلى للدولة جلسة لمناقشة الملف في الأول من أغسطس الجاري، فإن مجلس النواب كان قد دعا لجلسة عامة لمناقشة القانون في اليوم التالي دون مناقشة مع المجلس الأعلى للدولة، بالمخالفة لنصوص الاتفاق السياسي الذي ينص على ضرورة أن تقوم لجنة مشتركة بين المجلسين بصياغة القانون قبل أن يجتمع النواب للتصويت عليه وإقراره.

وهو الأمر الذي استنكره ورفضه المجلس الأعلى والبعثة الأممية التي حثت مجلس النواب على ضرورة إشراك المجلس الأعلى للدولة في إعداد التشريعات اللازمة لإجراء الانتخابات الوطنية وذلك تماشياً مع الأحكام ذات الصلة من الاتفاق السياسي الليبي وخارطة الطريق التي تم إقرارها في تونس بشأن إعداد التشريع الانتخابي[2]، مع ذلك يستمر مجلس النواب في مناقشاته مستبقا العشرة أيام التي حددها المجلس الأعلى للدولة لنفسه لإنجاز المشروع قبل عرضه على البرلمان.[3] ينذر هذا الوضع بأزمة بين الطرفين حول الأساس الدستوري الذي على أساسه تتم مناقشة القوانين الممهدة للانتخابات ما قد يعقد الأوضاع السياسية ويوقف العملية السياسية قبل أن تبدأ، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار انزعاج بعض نواب البرلمان ولجانه من بيانات بعثة الأمم المتحدة للدعم وتصريحات المجلس الأعلى للدولة بشأن إشراكه في وضع القوانين الانتخابية وتشكيكهم في رغبة المجلس في إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها المحدد٢٤ ديسمبر ٢٠٢١[4].

أيضا هناك جدل حول دور كلا من ملتقى الحوار السياسي والحكومة في الترتيبات الانتخابية فكلاهما يتبادلان الاتهامات بشأن تعطيل العملية السياسية، وتواجه اجتماعات الملتقى في جنيف نقدا حادا ويرجع رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا السابق خالد المشري تعثر ملتقى الحوار في الوصول إلى أرضية مشتركة، بتعنت بعض الأطراف ومحاولة فرض انتخابات دون شروط محددة للترشح، ويدعو المشري اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلى نزع الزي العسكري والتخلي عن الجنسية الأجنبية، وتسوية وضعه القانوني مع جرائم الحرب، وهي رغم أنها أمور بديهية إلا أنها تثير مشكلات في الحالة الليبية فالرجل لديه أنصار في المؤسسات السياسية الليبية وتياره يبدو عاجزا عن تقديم بديل له حتى الآن ومن ثم يسعى لتفصيل قواعد دستورية لانتخابات من دون شروط.

كما أن الحكومة الحالية بقيادة عبد الحميد الدبيبة مهمتها الرئيسية هي تهيئة وقيادة البلاد نحو إجراء الانتخابات في موعدها، وتخشى الحكومة من أن تمديد العملية السياسية والدستورية يضعها في خانة الحكومات الفاشلة رغم ما تحدثه من تقدم في ملفات مكافحة كورونا والخدمات العامة وقيادة التوافق حول الميزانيات البلدية والميزانية العمومية للدولة الليبية، ففي تغريدة على حسابه في موقع تويتر، حثّ رئيس الحكومة الليبية ما سماها كافة الأطراف الوطنية والبعثة الأممية، على الاضطلاع بمسؤولياتها وتغليب المصلحة العامة والتوافق على صيغة كفيلة بإجراء الانتخابات في موعدها[5]

كما أن رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح اتهم حكومة الوحدة الوطنية الليبية بالإخفاق في توحيد المؤسسات الليبية، والتحول إلى حكومة طرابلس وحذر من احتمال ظهور حكومة موازية في الشرق، وتوجه البلاد نحو مزيد من الانقسام إذا لم يتم إجراء الانتخابات في موعدها، معتبرا اجتماعات أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي إضاعة للوقت، أو مساومة لا حاجة إليها، في ظل وجود الإعلان الدستوري كما عبر المتحدث باسم المجلس عبد الله بليحق أن المجلس هو المخوّل الوحيد بإصدار أي قوانين أو تشريعات، خصوصا المتعلقة منها بإجراء الانتخابات.[6]

نحن إذن إزاء جدل قانوني ودستوري وسياسي حول الترتيبات المفترض إنهائها قبيل الوصول للانتخابات، هذا الجدل قد يدار بحكمة وتوازنات جيدة للوصول لحلول وسط أو قد يفضي إلى تصارع المؤسسات أولا على الصلاحيات القانونية والدستورية وثانيا على السلطة السياسية التي قد تعود للمربع صفر حال انتهاء العام الجاري دون إتمام الانتخابات.

المواقف الإقليمية والدولية من الجدل حول القاعدة الدستورية للانتخابات:

 برغم أن هذا يعد ملفا ليبيا داخليا صرفا إلا أن ثمة العديد من المواقف المتباينة من العملية السياسية الراهنة في ليبيا، فنتائج انتخابات جنيف لم تأت على هوى الكثير من الأطراف الإقليمية والدولية، كذلك فإن دور البعثة الأممية للدعم في ليبيا لطالما كان مثار جدل في العملية السياسية، وخاصة إذا كان يتبع لهجات وصائية على الليبيين وهذا النهج هو ما أطاح بالمبعوث الأممي الخاص السابق غسان سلامة والذي استقال تحت ضغوط على مواقع التواصل الاجتماعي في مارس ٢٠٢٠ بالتزامن مع انطلاق الحملة الفاشلة الأخيرة لقوات حفتر على طرابلس والغرب الليبي، وبين الحين والآخر تُوجه البعثة الأممية نقدا للأطراف المختلفة ولمضامين مقترحاتها وتقدم نفسها كمنسق ممكن للحوار وتحاول لعب أدوار باتجاه ترجيح أي من مشاريع القوانين الخاصة بالانتخابات.

هذا الأمر قد يزيد الأوضاع تعقيدا إذ قد يوجه نقد حاد لتلك القوانين بأنها صنيعة الخارج والأمم المتحدة ومن ثم إلقاء اللوم عليها بالكامل حال فشل العملية السياسية المنبثقة عن هذه الملتقيات والحوارات. وقد لعبت الأمم المتحدة عبر مبعوثتها الخاصة لليبيا ستيفاني ويليامز دورا هاما في استضافة جلسات اللجنة العسكرية ٥+٥ وتوصلها لاتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في جنيف في ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٠، ثم رعت جولة تونس من مفاوضات ملتقى الحوار السياسي الليبي في ١٣ نوفمبر من العام ذاته، التي انتهت إلى تحديد موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية  في ٢٤ ديسمبر ٢٠٢١، وصولا لرعاية الاتفاق على آلية اختيار سلطة تنفيذية مؤقتة تمهيداً للانتخابات والذي جرى في ١٩ يناير ٢٠٢١.

أما السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند فقد اتهم العديد من الأعضاء في ملتقى الحوار السياسي الليبي، بإدخال ما سماها حبوبا سامة تمنع إجراء الانتخابات، إما عن طريق إطالة العملية الدستورية أو من خلال خلق شروط جديدة. وقال على فيسبوك إن بعضهم يدّعي أنه يعمل نيابة عن قادة سياسيين قدَّموا لواشنطن تأكيدات أنهم يدعمون الانتخابات في ٢٤ ديسمبر، وربما تشير تغريدته إلى أنصار حفتر في المؤسسات المسئولة عن مناقشة القاعدة الدستورية للانتخابات، وفي تصريحات أخرى تبدو الولايات المتحدة محاولة الظهور بمظهر المحايد من التطورات القادمة فالقائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، جوي هود، صرح في مقابلة مع وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بأن “المستقبل السياسي للجنرال المتقاعد خليفة حفتر يحدده الشعب الليبي، وأن واشنطن تنسق بشأن الأزمة في هذا البلد مع شركائها مثل تركيا”[7]

ومن ناحية أخرى نجد أن الأطراف الدولية يبدو أنها تضغط باتجاه قوانين انتخابات أكثر تساهلا في مسألة ترشح العسكريين وكذلك رموز النظام السابق، وقد تكون وجهة النظر تلك مبنية على أن الانتخابات يجب أن تتسع للجميع، لكن القواعد العامة والمجردة للتعامل مع الانتخابات في كافة البلدان تحرم مجرمي الحرب والمحكومين جنائيا من الترشح للانتخابات، كذلك العديد من التجارب الديمقراطية تحظر على العسكريين الترشح للمناصب السياسية إلا بعد ترك الخدمة بسنوات، وفي الحالة الليبية التي عايشت حكما عسكريا ديكتاتوريا هو الأطول في التاريخ الحديث يصبح حرمان العسكريين من الترشح أمرا منطقيا، كما يبدو أن المجلس الأعلى للدولة بقيادة المشري منزعج من هذه الضغوط الدولية حيث صرح المشري في ١٠ يوليو الماضي أن ملتقى الحوار السياسي الليبي يواجه ضغوطا دولية ومن البعثة الأممية للقبول بقاعدة دستورية تسمح بترشح العسكريين للانتخابات، كما أشار إلى أن بعض الأطراف الليبية في جنيف حاولت تفصيل قاعدة انتخابية على مقاس اللواء المتقاعد خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي.[8] وهذه الأفكار يقف خلفها ممثلو حفتر والشرق الليبي في العديد من المؤسسات ومن وراء هؤلاء دعم روسي وإقليمي كبير.

ومن ناحية أخرى تسعى مصر بشكل خاص لإنهاء هذه المرحلة الانتقالية بأي ثمن وتسعى للمشاركة بفعالية في إعادة الإعمار لما تحتاجه من خلق فرص عمل لمواطنيها الذين أصبحت العديد من دول الخليج تضيق بهم ذرعا تحت وطأة جائحة كورونا، مع ضمان البعد الأمني المرتبط بأمن الحدود ومحاربة الإرهاب ولعل هذا ما اتضح من حضور رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي لافتتاح القاعدة البحرية المصرية على الحدود الليبية، والزيارات المتبادلة منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لكن لا تزال مصر والإمارات وفرنسا يخططون لتنسيق لتحجيم نفوذ الإسلاميين في المنطقة وليست تحركات قيس سعيد في تونس يوم ٢٥ يوليو الماضي آخر الأدلة على هذه المساعي ما يعني أن تحالفا مشابها قد ينعقد لتحجيم نفوذ تيار الإسلام السياسي في ليبيا رغم أنه لم يحل أولا في أية استحقاقات انتخابية سابقة.

من ناحية أخرى فإن الأوروبيين وعلى راسهم الموقف الألماني والإيطالي يبدون رغم اختلاف وتباين مواقفهم متحمسين أكثر لإنهاء الفترة الانتقالية والوصول للانتخابات من أجل استئناف المصالح الاقتصادية المعطلة ومن أجل إيجاد مؤسسات ليبية موحدة قادرة على التصدي للتحديات الأمنية التي تواجه أوروبا كما تواجه الليبيين وعلى رأسها الهجرة غير الشرعية والتطرف والعنف.

اتجاهات الجدل حول الأساس الدستوري وقانون الانتخابات:

 وفقا لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا فقد بدأ ملتقى الحوار السياسي الليبي بمقترح واحد لمشروع قانون انتخابات قدمته اللجنة القانونية المنبثقة عنه في شهر مايو، ثم تدارس مقترحاً آخر قدمه أعضاء اللجنة الاستشارية المنبثقة عنه في جنيف في يونيو، إلا أنه انتهى به المطاف بثلاثة مقترحات في جنيف، والآن هناك أربع مقترحات من لجنة التوافقات. علاوة على ذلك، سبق وأن تم تكليف ثلاث لجان لإعداد قاعدة دستورية للانتخابات وهي اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، واللجنة القانونية واللجنة الاستشارية المنبثقتين عن الملتقى دون التوصل إلى نتائج حاسمة. وكانت لجنة التوافقات هي اللجنة الرابعة، وأقر أعضاء اللجنة بأن جميع إمكانيات التوصل إلى حل وسط بشأن مقترح واحد قد استنفدت، وطلبوا بالتالي من البعثة إحالة المقترحات الأربعة إلى الجلسة العامة لملتقى الحوار السياسي الليبي للنظر فيها واتخاذ قرار بشأنها.

يتركز الجدل حاليا حول من له الحق في وضع قوانين الانتخابات وتقسيم الدوائر؟ فبينما يرى مجلس النواب أنه الجهة الوحيدة صاحبة الحق في مناقشة وإقرار قوانين الانتخابات، فإن المجلس الأعلى للدولة يتمسك بنص الاتفاق السياسي الذي انبثقت عنه الترتيبات الانتقالية كاملة من حكومة وحدة وعملية سياسية تفضي إلى الانتخابات في ديسمبر المقبل، وتشارك البعثة الأممية نفس الأفكار حول ضرورة التمسك بالاتفاق السياسي الليبي كأساس لإدارة النقاش حول الانتخابات وترتيباتها عبر لجنة مشتركة بين الطرفين لإقرار تلك القوانين.

كما أن هناك جدلا ليس أقل أهمية حول الأساس الدستوري نفسه الذي ستجرى عليه الانتخابات هل هو الإعلان الدستوري لعام ٢٠١١ أم الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات أم الاتفاق الأممي ف٢٠٢٠ ومخرجات مؤتمر برلين الثاني واتفاق جنيف؟، وهل سيتم التصويت على الدستور أولا أم سيجري انتخاب الرئيس والبرلمان ثم يتم الاستفتاء على الدستور؟ كذلك فإن الجدل حول آليات إجراء الانتخابات وتأمينها في ظل أن توحيد المؤسسات الأمنية يسير ببطء ينذر باحتمالية تأجيل الاستحقاق الانتخابي وتمديد المرحلة الانتقالية الحالية وهو أمر له عواقبه.

بين التوافق السياسي وشبح الحرب الممكنة:

 لا يزال التوافق حول الأمور العسكرية والأمنية بين الأطراف المختلفة للاتفاق السياسي والعسكريين على الأرض بعيدا ورغم التصريحات الإيجابية لحكومة الدبيبة ـ المنفي لمسئولي اللجنة العسكرية ٥+٥ حول فتح الطرق والمطارات بين الشرق والغرب لا تزال المزيد من النقاط عالقة منها سلاح الميليشيات ووضعية الجنرال خليفة حفتر وتوحيد قوى الأمن والجيش، كذلك يثير الجدل حول حرمان العسكريين أو المحكومين من الجنائية الدولية من الترشح للانتخابات حفيظة البعض رغم أهميته، ويبدو أن الظهور الأخير لسيف الإسلام القذافي وإعلان مناصريه نيته الترشح للانتخابات الرئاسية ومحاولة بعض أنصاره في مجلس النواب وملتقى الحوار السياسي الليبي عرقلة أية شروط انتخابية قد تعوق ترشحه، يثير هذا الظهور قلق حفتر وأنصاره الذين حاولوا مرارا التخلص من سيف الإسلام القذافي سواء كمنافس على الدعم الروسي والإماراتي والمصري أو كمرشح محتمل لهذا التحالف خاصة وأن كبار رجال نظام والده لا يزالون يتمتعون بنفوذ كبير في هذه الدول ويحاولون إعادة ترتيب أوراقهم للعودة لأوضاع ما قبل الثورة خاصة وأنه لا يزال يحمل الثورة والسياسيين مسئولية التفكك وانهيار الوحدة وفي ضوء بعض التقارير واستطلاعات الرأي حول شعبيته ودعم الروس وبعض القبائل الكبيرة له.[9]

تنعكس هذه التطورات على محاولات التوافق حول القاعدة الدستورية للانتخابات فضلا عن القوانين الانتخابية نفسها والجدل بشأنها وهو ما ينعكس في تصريحات النواب حول منع العسكريين من الترشح للانتخابات إلا بعد عامين من ترك الخدمة ثم تصريح رئيس البرلمان عقيلة صالح بمنع المحكومين من الجنائية الدولية من الترشح للانتخابات.[10]وبرغم أن هذه اشتراطات طبيعية ومنطقية في أية حالة أخرى إلا أنها تثير حساسيات شديدة في المشهد السياسي الليبي فنجل القذافي مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية كما أن ترشح العسكريين للحكم أصبح أمر مرفوض لدى تيار قوي في ليبيا والمنطقة العربية خاصة بعد تجربة حكم العسكريين لأربعين عاما وبعد ما أحدثته محاولة تثبيت انقلاب حفتر من حرب استمرت لست سنوات وخلفت مئات الآلاف من المنازل المهدمة ودمرت البنية التحتية في البلاد، كما أنها لم تقدم تجربة ناجحة للحكم وإدارة الدولة في المناطق التي سيطرت عليها لسنوات.

وبرغم أن احتمالية ترشح نجل القذافي قد تحدث شرخا في معسكر الشرق الليبي إلا أنها قد تطيل أمد النقاشات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح وتقسيم الدوائر أو قد تتحول لاقتتال بين أنصاره وأنصار حفتر ما يعطل العملية السياسية برمتها، ويعزز التدخلات الإقليمية والدولية لتعزيز كفة أيا من الطرفين.

أيضا فإن الضغوط الدافعة باتجاه تأجيل التصويت على الدستور الليبي لما بعد الانتخابات تنذر بتأجيل المشكلات وتوريثها لنظام جديد هش ما قد يقود لمصير الرئيس المدني المنتخب الوحيد لمصر حيث عملية وضع الدستور بعد انتخاب الرئيس والبرلمان تخلق حالة استقطاب حاد واتهام للمؤسسات السياسية بمحاولة توطيد سلطتها وتعزيز مكاسبها بعيدا عن الأسس الدستورية والقانونية العامة والمجردة ويخلق صراعا بين مؤسسات وليدة يراد تقويتها وتعزيزها ومن ثم فإن الاتفاق على الدستور والتصويت عليه يجب أن يكون سابقا على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإلا فإننا سوف نجد أنفسنا أمام رئيس وبرلمان من دون صلاحيات دستورية بالإضافة لضعف مؤسسة الجيش وقوى الأمن كل ذلك قد يعمق من المشكلة السياسية ويجعل حلها أمرا بعيد المنال.

السيناريوهات المحتملة

أولا، سيناريو إدارة نقاش ناجح حول الأسس الدستورية للانتخابات: تحاول حكومة الوحدة الوطنية الحالية جاهدة للدفع باتجاه الانتهاء من المهام الانتقالية الممهدة للانتخابات، وكذلك تسعى اللجنة العليا للانتخابات للانتهاء من التجهيزات الخاصة بتحديث قوائم الناخبين مبكرا، ويحاول البرلمان إنجاز مشروعات القوانين المتعلقة بها، يعزز هذا السيناريو الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية التي لا تحتمل حربا جديدة في ليبيا، كما أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية مهددة بالانفجار في وجه الجميع ما لم يتوصلوا للتوافق حول هذه الانتخابات وإنهاء هذه الفترة المضطربة من تاريخ ليبيا.

لكن ما يمكن أن يعرقل هذا السيناريو هو النقاش المطول والاستقطاب الحاد حول قانون الانتخابات والذي قد يعيدنا للانقسام الذي يشبه انقسامات ما قبل اتفاق الصخيرات والانقسام الحاد حول مخرجات لجنة فبراير في العام ٢٠١٤ وهي الوضعية التي كانت ممهدة للانقسام والحرب التي امتدت لست سنوات بين حكومتين وبرلمانين وعمليتين عسكريتين في الشرق والغرب.

في المقابل يُعزز هذا السيناريو ما يشبه الإجماع بأن أي تأجيل للانتخابات قد يعيد الليبيين للمربع صفر ولدوامة الصراع والعنف التي كرهها الجميع بشكل كبير وتأكد لأغلبية الليبيين فشلها في حسم الصراع السياسي الليبي لصالح أيا من أطرافه ناهيك عن أن يكون لصالح ليبيا برمتها.

ثانيا، فشل التوافق حول الأسس الدستورية للانتخابات: يشير لذلك السيناريو حتى الآن فشل اللجان الأربعة التي شكلت للتوافق حول قوانين الانتخابات في التوافق حول مقترح واحد للتصويت عليه، كما يؤشر لذلك الجدل الكبير حول شروط الترشح ما بين القائلين بتيسيرها لاستيعاب الجميع وضمان عدم الإقصاء وتجنب كارثية قوانين العزل السياسي وما بين القائلين باستيعابها للبديهيات وبعض الشروط الهامة لضمان عدم ترشح المحكومين والمطلوبين دوليا أو حتى القيادات العسكرية الحالية، وفي هذا السيناريو فإن تجاوز المدد المحددة للتوافق على هذه القوانين قد يجمد الوضع الحالي أو يعطل العملية السياسية برمتها ويعطي مساحة أوسع للعسكريين وأنصار النظام القديم للدفاع عن مكتسباتهم بالقوة حتى لو كان هذا على حساب إفشال المسار السياسي.

يعزز هذا السيناريو التصريحات والاتهامات المتبادلة بين الأطراف المختلفة بمحاولة عرقلة العملية السياسية والحيلولة دون عقد الانتخابات في موعدها، فالمجلس الأعلى للدولة يتهم البرلمان وبعض ممثلي الشرق بتعطيل العملية السياسية، والبرلمان يتهم المجلس وأعضاء ملتقى الحوار بتعطيل الانتخابات وإطالة المدى الزمني للمرحلة الانتقالية بينما تبقى الحكومة تائهة وسط هذه الأطراف وتكتفي بحثها على التوصل لحلول وسط والانتهاء من التشريعات اللازمة.

خاتمة وتوصيات:

يمكن للبعثة الأممية والرعاة الدوليون أن يضغطوا باتجاه توحيد اللجان العاملة على إنجاز المهام المتعلقة بإجراء العملية الانتخابية في موعدها، لكن هذا يجب أن يتضمن اجتماعات للجنة التوافق في رحاب البرلمان الليبي وليس في جنيف حتى لا يشعر البرلمان بالتهميش رغم تمثيله في لجنة التوافق، هذا يساهم في ضغط وتجميع المقترحات وتقليل مساحة الخلاف، مع اتباع آلية التصويت على بنود هذه المقترحات بندا بندا حتى يحصل أكبر توافق ممكن على المخرج النهائي.

يمكن للخبراء ومراكز البحث والقنوات الإعلامية المختلفة أن تقوم بتقديم القوانين الانتخابية في المراحل الانتقالية أو التأسيسية لكي تحدث مقاربة للشروط الواجب توافرها في المرشحين للمناصب المختلفة ويتم التوافق على ما يحقق المصلحة العليا للبلاد بعيدا عن التمترس خلف أشخاص، وبما يساعد القوى السياسية على إيجاد بدائلها وتسويق مشاريعها السياسية على أسس وطنية، كما يمكن الاستعانة بخبراء من الأمم المتحدة والمؤسسة الدولية للديمقراطية ومراكز الفكر والرأي العربية للمساعدة في صوغ نصوص أكثر حداثة وقدرة على مجاراة الواقع السياسي الليبي ومتطلبات الانتقال الديمقراطي دون عسكرة ودون عودة للنظام القديم أو استمرار حالة الاحتراب الأهلي.

ينبغي الاستفادة من خبرات العقد المنصرم سواء في ليبيا أو غيرها من دول الربيع العربي سواء بتجنب المسارات السيئة أو الاستفادة من النقاط الإيجابية في بعض قوانين الانتخابات، التمسك بالأسس الدستورية والقانونية التي حازت ما يشبه التوافق الليبي بعد الثورة مثل الإعلان الدستوري الذي يحوي في متنه و ديباجته العديد من المبادئ الحاكمة لتحول ديمقراطي واتفاق الصخيرات والاتفاقات السياسية المنبثقة عن مسار جنيف وبرلين ومشروع الدستور الليبي لتجاوز أية مشكلات من شأنها تعطيل المسار والعودة للاقتتال وتعزيز التدخلات الدولية في غير صالح الليبيين.

الهامش

[1] موقع مجلس النواب الليبي، لجنة صياغة التشريعات الانتخابية تنتهي من مناقشة قانون انتخاب رئيس الدولة وقانون انتخاب مجلس النواب القادم، بتاريخ ٣١/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/3fpdP8G

[2] بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن اجتماع اللجنة التابعة لمجلس النواب في روما، بتاريخ ٢٥/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/3ls0AYW

[3] العربي الجديد، مجلس النواب الليبي يعلق جلسة مناقشة مشروع قانون الانتخابات، بتاريخ 2/8/2021، https://bit.ly/3jnRCJA

[4] موقع مجلس النواب الليبي، الهادي الصغير يبدي انزعاج اللجنة من بيان البعثة الأممية بشأن إشراك مجلس الدولة في اجتماعات روما، بتاريخ ٢٧/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/2WRAiVC

[5] الجزيرة نت، الدبيبة والمشري ينتقدان نتائجه.. الأمم المتحدة تعلن فشل الحوار الليبي بجنيف في الاتفاق على القاعدة الدستورية، بتاريخ ٣/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/2WYQPHp

[6] الجزيرة نت، عقيلة صالح: ليبيا ستعود للمربع الأول إذا أُجّلت الانتخابات ومسؤول أميركي يتحدث عن مستقبل حفتر، بتاريخ ٢٧/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/3yDuSeE

[7]  الجزيرة نت، عقيلة صالح: ليبيا ستعود للمربع الأول إذا أُجّلت الانتخابات ومسؤول أميركي يتحدث عن مستقبل حفتر، بتاريخ ٢٧/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/3yDuSeE

[8] الجزيرة نت،  المشري يكشف عن ضغوط دولية وأممية للسماح بترشح العسكريين للانتخابات في ليبيا، بتاريخ ١٠/٧/٢٠٢١، https://bit.ly/3fye69v

[9] وكالة الأناضول، عودة سيف الإسلام القذافي تهدد بتفكيك معسكر حفتر، بتاريخ ٢/٨/٢٠٢١، https://bit.ly/3AaFuSV

[10] صحيفة الوسط الليبية، عقيلة صالح: من الطبيعي ألا يترشح للرئاسة المحكوم عليه من الجنائية الدولية، بتاريخ ٢/٨/٢٠٢١، http://alwasat.ly/news/libya/328181

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close