fbpx
الشرق الأوسطترجمات

فيرجسون: لماذا لن تكون نهاية الإمبراطورية الأمريكية سلمية؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية الأسبوعية في 20 أغسطس 2021 مقالاً بعنوان “لماذا لن تكون نهاية الإمبراطورية الأمريكية سلمية؟” لنيال فيرجسون، وهو باحث أول في مؤسسة هوفر. ويرى فيرجسون أنه بينما تُترك أفغانستان في حالة من الفوضى، فإن تراجع أمريكا يعكس الحالة التي وصلت إليها بريطانيا قبل قرن من الزمان. ويحذر فيرجسون من أنه قد تؤدي هذه الحالة أيضاً إلى صراع أوسع في العالم.

ويأتي مقال نيال فيرجسون في إطار سلسلة من المقالات التي تنشرها مجلة الإيكونوميست لعدد من الخبراء حول مستقبل القوة الأمريكية، وذلك على النحو التالي:

كان ونستون تشرشل، رئيس وزراء المملكة المتحدة الأشهر، قد ذكر في كتابه (العاصفة المتجمعة) – المجلد الأول من بين ست مجلدات تناولت الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية – متحدثاً عن المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، “ظلت الجماهير غارقة في الجهل … ولم يجرؤ قادتهم، وهم يسعون للحصول على أصواتهم، على توعيتهم وتجنب خداعهم”. وأشار تشرشل بمرارة إلى “رفض مواجهة الحقائق غير السارة والرغبة في الشعبوية والسعي لكسب الانتخابات بغض النظر عن المصالح الحيوية للدولة”. وقد يجد القراء الأمريكيون الذين يراقبون رحيل حكومتهم المخزي عن أفغانستان، ويستمعون إلى جهود الرئيس جو بايدن المجهدة لتبرير الفوضى العارمة التي أحدثها، قد يجدون على الأقل بعض النقد الذي وجهه تشرشل لبريطانيا العظمى، في فترة ما بين الحربين العالميتين، مألوفاً بشكل مزعج.

لقد كانت الحالة الذهنية لبريطانيا نتاج مزيج من الإجهاد القومي و “الإرهاق الإمبراطوري”، على حد تعبير بول كينيدي، المؤرخ في جامعة ييل. فمنذ عام 1914، عانت الأمة البريطانية من حرب وأزمة مالية ووباء (الإنفلونزا الإسبانية عام 1918-1919). وطغى جبل من الديون على المشهد الاقتصادي. وعلى الرغم من أن بريطانيا آنذاك ظلت المُصدِر للعملة العالمية المهيمنة، إلا أنها لم تعد المتفردة في القيام بهذا الدور. وألهمت حالة عدم التكافؤ الحاد في المجتمع السياسيين من اليسار للمطالبة بإعادة توزيع الثروة إن لم تكن الاشتراكية الفجة. وذهبت نسبة كبيرة من المثقفين إلى أبعد من ذلك، فتبنَّت الشيوعية أو الفاشية.

وفي غضون ذلك، فضلت الطبقة السياسية القائمة آنذاك تجاهل الوضع الدولي المتدهور. وكانت الهيمنة البريطانية العالمية مهدَّدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وكان نظام الأمن الجماعي – على أساس عصبة الأمم، التي تأسست في عام 1920 كجزء من تسوية السلام بعد الحرب – آخذ في الانهيار، ولم يتبق سوى إمكانية التحالفات لتكملة الموارد الإمبراطورية المنهكة. وكانت النتيجة فشلاً كارثياً في الاعتراف بحجم التهديد الشمولي وفي حشد كل الوسائل من أجل ردع الطغاة.

هل يمكن أن تساعدنا تجربة بريطانيا على فهم مستقبل القوة الأمريكية؟

يفضل الأمريكيون استخلاص الدروس من تاريخ الولايات المتحدة، ولكن قد يكون من المفيد مقارنة هذه الدولة (أمريكا) بسابقتها (بريطانيا) باعتبارها دولة ناطقة بالإنجليزية تهيمن على العالم، لأن أمريكا اليوم تشبه بريطانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين في نواح كثيرة.

مثل كل هذه المقارنات التاريخية، فهذه المقارنة أيضاً ليست منطبقة تماماً. إن المزيج الهائل من المستعمرات والتوابع الأخرى التي حكمتها بريطانيا في الثلاثينيات ليس له نظير حقيقي اليوم في حالة الولايات المتحدة. وهذا ما يسمح للأميركيين بأن يطمئنوا ويقنعوا أنفسهم بأنهم ليس لديهم إمبراطورية، حتى عند سحبهم لجنودهم ومدنييهم من أفغانستان بعد تواجدهم هناك على مدى عشرين عاماً.

وعلى الرغم من ارتفاع معدل الوفيات بسبب كوفيد-19، فإن أمريكا لا تتعافى من نفس الصدمة التي كانت بريطانيا قد عانت من مثلها في الحرب العالمية الأولى، عندما تم ذبح أعداد هائلة من الشباب (حيث قُتل ما يقرب من 900,000، وحوالي 6% من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 49 عاماً، ناهيك عن 1.7 مليون مصاب). كما أن أمريكا لا تواجه تهديداً واضحاً مثل التهديد الذي كانت تمثله ألمانيا النازية لبريطانيا. ومع ذلك، فإن أوجه التشابه أيضاً ملفتة وتتجاوز فشل كلا الدولتين في فرض النظام على أفغانستان. حيث أشارت مجلة الإيكونوميست في فبراير 1930 بعد أن أدت إصلاحات الحداثة “المبكرة” إلى اندلاع ثورة، إلى أنه “من الواضح أنه لن يكون لأفغانستان تقبل لأي من دول الغرب”. وفي هذا الإطار تبدو الآثار المترتبة على مستقبل القوة الأمريكية مقلقة.

لقد تمت كتابة العديد من الكتب والمقالات التي تتنبأ بالتراجع الأمريكي في العقود الأخيرة لدرجة أن “التراجع الأمريكي” أصبح من الكليشيهات التي اعتاد الكثيرون استخدامها. لكن تجربة بريطانيا بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي تذكرنا بأن هناك مصيراً أسوأ من التدهور اللطيف والتدريجي ينتظر الولايات المتحدة.

تتبع المال

لنبدأ بجبال الديون: فقد ارتفع الدين العام لبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى من 109% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1918 إلى أقل بقليل من 200% عام 1934. وتختلف الديون الفيدرالية الأمريكية عن ذلك من نواحٍ مهمة، ولكنها قابلة للمقارنة من حيث الحجم. حيث ستصل الديون الأمريكية إلى ما يقرب من 110% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، أي أعلى من ذروته السابقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة. ويقدر مكتب الميزانية في الكونجرس أنه يمكن أن يتجاوز 200% بحلول عام 2051.

هناك فرق مهم بين الولايات المتحدة اليوم والمملكة المتحدة من قبل، منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وهو أن متوسط ​​استحقاق الدين الفيدرالي الأمريكي قصير جداً (65 شهراً)، في حين أن أكثر من 40% من الدين العام البريطاني كان يتخذ شكل سندات دائمة أو معاشات. وهذا يعني أن الدين الأمريكي اليوم أكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة من الدين البريطاني.

ويتمثل الاختلاف الرئيسي الآخر في التحول الكبير الذي حدث في النظريات المالية والنقدية، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى النقد الذي وجهه جون ماينارد كينز لسياسات بريطانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين.

وأدى قرار بريطانيا في عام 1925 بإعادة الجنيه الإسترليني إلى معيار الذهب بسعره المبالغ فيه قبل الحرب إلى فرض ثماني سنوات من الانكماش على الاقتصاد البريطاني. وأدت القوة المتزايدة للنقابات العمالية إلى تأخر تخفيضات الأجور عن انخفاض الأسعار خلال فترة الكساد. وساهم هذا في فقدان الوظائف. وفي أشد الأوقات قتامة عام 1932، كان معدل البطالة 15%. ومع ذلك، كان كساد بريطانيا معتدلاً، لأسباب ليس أقلها أن التخلي عن معيار الذهب في عام 1931 سمح بتيسير السياسة النقدية. وأدى انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية إلى انخفاض عبء خدمة الدين، وخلق مساحة مالية جديدة للمناورة.

إن مثل هذا التخفيض في تكاليف خدمة الديون يبدو أمراً غير مرجح بالنسبة لأمريكا في السنوات القادمة. وكان الاقتصاديون وعلى رأسهم وزير الخزانة السابق، لورانس سمرز، قد تنبأوا بمخاطر التضخم الناتج عن السياسات المالية والنقدية الحالية. وبينما انخفضت أسعار الفائدة الحقيقية البريطانية بشكل عام في ثلاثينيات القرن الماضي، فمن المتوقع أن تتحول في أمريكا إلى المؤشر الإيجابي اعتباراً من عام 2027 وترتفع بثبات لتصل إلى 2.5% بحلول منتصف القرن. صحيح أن توقعات ارتفاع أسعار الفائدة كانت خاطئة من قبل، ولا يتعجل الاحتياطي الفيدرالي في تشديد السياسة النقدية. ولكن إذا ارتفعت المعدلات، فإن خدمة الديون الأمريكية ستكلف مبالغ أكبر، مما سيؤدي إلى الضغط على أجزاء أخرى من الميزانية الفيدرالية، وخاصة النفقات التقديرية مثل الدفاع.

ويقودنا هذا إلى جوهر الأمر. فقد كان انشغال تشرشل الأكبر في ثلاثينيات القرن الماضي هو أن الحكومة كانت تماطل – وهو الأساس المنطقي لسياسة الاسترضاء التي كانت تنتهجها – بدلاً من إعادة التسليح بنشاط أكثر رداً على السلوك العدواني المتزايد لهتلر وموسوليني والحكومة العسكرية في اليابان الإمبريالية. وكانت إحدى الحجج الرئيسية التي ساقها الذين ينتهجون الاسترضاء هي أن القيود المالية والاقتصادية – ليس أقلها التكلفة العالية لإدارة إمبراطورية امتدت من فيجي إلى غامبيا إلى غيانا إلى فانكوفر – جعلت إعادة التسلح السريع أمراً مستحيلاً.

قد يبدو أن الإيحاء بأن أمريكا تواجه اليوم تهديدات مماثلة – ليس فقط من الصين، ولكن أيضاً من روسيا وإيران وكوريا الشمالية – هو ضرب من الوهم. ومع ذلك، فإن مجرد حقيقة أن ذلك الإيحاء يبدو (للبعض) خيالياً توضح هذه النقطة. فغالبية الأمريكيين، مثل غالبية البريطانيين في فترة ما بين الحربين العالميتين، لا يريدون مجرد التفكير في إمكانية شن حرب كبرى ضد نظام أو أكثر من الأنظمة الاستبدادية، والتي تأتي على رأس الالتزامات العسكرية الواسعة بالفعل للبلاد. هذا هو السبب في أن الانخفاض المتوقع في الإنفاق الدفاعي الأمريكي كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، من 3.4% في عام 2020 إلى 2.5% في عام 2031، سوف يسبب الذعر فقط لمن هم مثل تشرشل. ويمكنهم أن يتوقعوا نفس رد الفعل العدائي – نفس الاتهامات بالترويج للحرب – التي كان على تشرشل تحملها.

القوة نسبية

يمثل التراجع النسبي مقارنة بالدول الأخرى نقطة تشابه أخرى (بين أمريكا وبريطانيا سابقاً). فوفقاً لتقديرات المؤرخ الاقتصادي أنجوس ماديسون، فإنه بحلول الثلاثينيات من القرن الماضي كان الاقتصاد البريطاني قد تم تجاوزه، من حيث الناتج، ليس فقط من أمريكا (في وقت مبكر من عام 1872)، ولكن أيضاً من ألمانيا (في عام 1898، ومرة ​​أخرى في عام 1935، بعد سنوات الحرب الكارثية، والتضخم الكبير والركود) والاتحاد السوفيتي (في عام 1930). صحيح أن اقتصاد الإمبراطورية البريطانية ككل كان أكبر من اقتصاد المملكة المتحدة، خاصة إذا تم تضمين دول الدومينيونز (وهي الدول التي كانت في يوم ما تابعة لسيادة المملكة المتحدة وتتمتع بالحكم الذاتي) – ربما كان بقدر ضعف حجم اقتصادها. لكن الاقتصاد الأمريكي كان أكبر حتى من ذلك، وظل أكثر من ضِعف حجم الاقتصاد البريطاني، على الرغم من التأثير الأكثر خطورة للكساد العظيم في الولايات المتحدة.

وتواجه أمريكا اليوم مشكلة مماثلة تتمثل في التراجع النسبي في الناتج الاقتصادي. فعلى أساس تعادل القوة الشرائية، الذي يسمح بانخفاض أسعار العديد من السلع المحلية الصينية، لحق الناتج المحلي الإجمالي للصين بنظيره في أمريكا في عام 2014. أما على أساس سعر الدولار الحالي، فلا يزال الاقتصاد الأمريكي أكبر، ولكن من المتوقع أن تتقلص الفجوة. وسيكون الناتج المحلي الإجمالي للصين هذا العام بسعر الدولار الحالي حوالي 75% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا. وبحلول عام 2026 سيبلغ 89% منه.

وليس سراً أن الصين تشكل تحدياً اقتصادياً أكبر مما كان عليه الاتحاد السوفيتي من قبل، حيث لم يكن اقتصاد هذا الأخير يمثل أكثر من 44% من حجم الاقتصاد الأمريكي خلال الحرب الباردة. كما أنه ليس سراً أن الصين تسعى إلى اللحاق بأمريكا في العديد من المجالات التكنولوجية في تطبيقات الأمن القومي، من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الكمية. كما أن طموحات زعيم الصين، شي جين بينغ، معروفة جيداً أيضاً – إلى جانب تجديده للعداء الأيديولوجي للحزب الشيوعي الصيني ضد الحرية الفردية وسيادة القانون والديمقراطية.

توترت المشاعر الأمريكية تجاه الحكومة الصينية بشكل ملحوظ في السنوات الخمس الماضية. لكن لا يبدو أن هذا يترجم إلى مصلحة عامة في مواجهة التهديد العسكري الصيني بفعالية. فإذا غزت بكين تايوان، فمن المحتمل أن يردد معظم الأمريكيين صدى رئيس الوزراء البريطاني، نيفيل تشامبرلين، الذي وصف محاولة ألمانيا تقسيم تشيكوسلوفاكيا في عام 1938 بأنه “شجار في بلد بعيد، بين أناس لا نعرف عنهم شيئاً”.

كان أحد المصادر الحاسمة للضعف البريطاني خلال فترة ما بين الحربين العالميتين هو تمرد المثقفين ضد الإمبراطورية البريطانية وبشكل عام ضد القيم البريطانية التقليدية. فقد استدعى تشرشل باشمئزاز مناقشة اتحاد أكسفورد في عام 1933 والتي حملت مقترحاً إجرائياً مفاده، “هذا المجلس يرفض القتال من أجل الملك والبلاد”. وكما أشار: “كان من السهل أن نستخف بمثل هذه الحادثة في إنجلترا؛ لكن في ألمانيا، في روسيا، في إيطاليا، في اليابان، ترسخت فكرة بريطانيا المتفسخة والمتهاوية وأثر ذلك على العديد من الحسابات”. هذا بالطبع هو تماماً ما يراه الجيل الجديد من الدبلوماسيين والمثقفين القوميين الصينيين في الولايات المتحدة اليوم.

كان لدى النازيين والفاشيين والشيوعيين على حد سواء سبب وجيه للاعتقاد بأن البريطانيين يستسلمون لكراهية الذات. فقد كتب جورج أورويل عن الوقت الذي عمل فيه كشرطي استعماري في مقالته “إطلاق النار على فيل”، قائلاً: “لم أكن حينها أعرف حتى أن الإمبراطورية البريطانية تحتضر”. لم يتوفر لدى الكثير من المفكرين الرؤية التي كانت عند أورويل عندما قال بأن بريطانيا كانت مع ذلك “أفضل بكثير من الإمبراطوريات الشابة التي [كانت] ستحل محلها”. وكثير – على عكس أورويل – اعتنقوا الشيوعية السوفيتية، مما أدى إلى نتائج كارثية على الاستخبارات الغربية. وفي غضون ذلك، انجذب عدد كبير من أفراد النخبة الاجتماعية الأرستقراطية إلى هتلر. وحتى قراء الديلي إكسبريس كانوا أكثر ميلاً للسخرية من الإمبراطورية أكثر من الاحتفاء بها. وكانت الشخصية الكاريكاتورية “بيج وايت كارستيرز” التي كان يتم تناولها في عمود بيتش كومبر بالديلي إكسبريس هي صورة كاريكاتورية سخيفة من النوع الاستعماري أكثر من شخصية “الكولونيل بليمب” لديفيد لو.

نهاية الإمبراطوريات

قد لا تظهر إمبراطورية أمريكا في شكل دومينيون ومستعمرات ومحميات، لكن تصور الهيمنة الدولية والكُلفة المرتبطة بالإفراط في التوسع تبدو متشابهة. ويسخر كل من اليسار واليمين في أمريكا الآن بشكل منتظم أو يلعن فكرة المشروع الإمبراطوري. حيث قال توم إنجلهارت، الصحفي في صحيفة الأمة “الإمبراطورية الأمريكية تنهار”. وعلى اليمين، يتساءل الخبير الاقتصادي تايلر كوين بسخرية “كيف يمكن أن يبدو سقوط الإمبراطورية الأمريكية”. وفي نفس الوقت الذي يرى فيه كورنيل ويست، الفيلسوف الأمريكي الأفريقي التقدمي، أن كلاً من “حياة السود مهمة” و “الحرب ضد الإمبراطورية الأمريكية” تُعتبران شيئاً واحداً ونفس الشيء”، يصف اثنان من الجمهوريين المؤيدين لترامب، ريان جيمس جيردوسكي وهارلان هيل جائحة كورونا بأنها “أحدث مثال على تعرية الإمبراطورية الأمريكية”.

ولا يزال اليمين يدافع عن التفسير التقليدي لتأسيس الجمهورية – كرفض للحكم الاستعماري البريطاني – ضد محاولات اليسار )المهتمين بالقضايا الاجتماعية والسياسية المتعلقة بالعرق والجنس والطبقة وما إلى ذلك) لإعادة صياغة التاريخ الأمريكي باعتباره في الأساس “حكاية عبودية” ثم “حكاية فصل عنصري”. لكن القليل من كلا الجانبين من الطيف السياسي من يتحسرون على عصر الهيمنة العالمية الذي بدأ في الأربعينيات.

وباختصار، فمثلما حدث مع البريطانيين في ثلاثينيات القرن الماضي، فإن الأمريكيين قد فقدوا في عشرينيات القرن العشرين حب الإمبراطورية – وهي حقيقة لاحظها المراقبون الصينيون واستمتعوا برؤيتها. ومع ذلك فإن الإمبراطورية باقية. فمن المسلَّم به أن لدى أمريكا عدد قليل من المستعمرات الحقيقية: بورتوريكو وجزر فيرجن الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي، وغوام وجزر ماريانا الشمالية في شمال المحيط الهادي، وساموا الأمريكية في جنوب المحيط الهادي. ووفقاً للمعايير البريطانية، فإنها قائمة تافهة من الممتلكات. ومع ذلك، فإن الوجود العسكري الأمريكي موجود في كل مكان تقريباً كما كان لبريطانيا في السابق. حيث ينتشر أفراد القوات المسلحة الأمريكية في أكثر من 150 دولة. ويبلغ العدد الإجمالي للقوات الأمريكية المنتشرة خارج حدود الولايات الخمسين حوالي 200,000 جندي.

لم يكن الحصول على مثل هذه المسؤوليات العالمية الواسعة أمراً سهلاً. لكن من الوهم الاعتقاد بأن التخلص منها سيكون أسهل. هذا هو الدرس المستفاد من التاريخ البريطاني الذي يحتاج الأمريكيون إلى إعطاء المزيد من الاهتمام له.

لقد كان القرار غير الحكيم الذي اتخذه الرئيس جو بايدن بشأن “الانسحاب النهائي” من أفغانستان مجرد أحدث إشارة من رئيس أمريكي بأن بلاده تريد تقليص التزاماتها الخارجية. وكان باراك أوباما قد بدأ العملية بالخروج على عجل من العراق وأعلن في عام 2013 أن “أمريكا ليست شرطي العالم”. وكانت عقيدة “أمريكا أولاً” لدونالد ترامب مجرد نسخة شعبوية من نفس الدافع: لقد كان شديد التعجل للخروج من أفغانستان واستبدال التعريفات الجمركية بمكافحة التمرد.

المشكلة، كما توضحها كارثة هذا الشهر في أفغانستان تماماً هي أن تراجع الهيمنة العالمية نادراً ما يكون عملية سلمية. وبغض النظر عما يمكن أن تقوله، فإن الإعلان عن تخليك عن حربك الأطول هو اعتراف بالهزيمة، وليس فقط في نظر طالبان. وهذا ما تراقبه الصين، التي تشترك في مساحة قصيرة من حدودها البرية الشاسعة مع أفغانستان، عن كثب. وكذلك تنظر روسيا في شماتة. لم يكن من قبيل المصادفة أن تتدخل روسيا عسكرياً في كل من أوكرانيا وسوريا بعد شهور فقط من تخلي أوباما عن الاضطلاع بمهام الأمن العالمي.

إن اعتقاد جو بايدن (الذي عبر عنه ريتشارد هولبروك في عام 2010) بأنه يمكن للمرء أن يغادر أفغانستان كما خرج ريتشارد نيكسون من فيتنام و “يفلت من العقاب” هو تاريخ سيء: إذ كان لإذلال أمريكا عواقب وخيمة. لقد شجع ذلك الاتحاد السوفيتي وحلفاءه على إثارة المشاكل في أماكن أخرى – في جنوب وشرق أفريقيا، وأمريكا الوسطى وأفغانستان، التي غزاها في عام 1979. إن إعادة محاكاة سقوط سايغون في كابول سيكون له آثار سلبية مماثلة.

لم يكن من الصعب توقع نهاية الإمبراطورية الأمريكية، حتى في ذروة غطرسة المحافظين الجدد بعد غزو العراق عام 2003. كان هناك على الأقل أربع نقاط ضعف أساسية لمكانة أمريكا العالمية في ذلك الوقت، كما أكدت في كتاب “العملاق: صعود وسقوط إمبراطورية أمريكا “(بينجوين، 2004). إنهم يعانون من نقص في القوى البشرية (قلة من الأمريكيين لديهم الرغبة في قضاء فترات طويلة من الوقت في أماكن مثل أفغانستان والعراق)؛ وعجز مالي (انظر ما تم ذكره بهذا الخصوص أعلاه)؛ وغياب الاهتمام (ميل الناخبين إلى فقدان الاهتمام بأي تدخل واسع النطاق فيما يتعدى أربع سنوات تقريباً)؛ وعجز في استلهام عِبر التاريخ (إحجام صانعي السياسات عن تعلم الدروس من أسلافهم، ناهيك عن البلدان الأخرى).

لم تكن هذه العيوب موجودة أبداً في الإمبريالية البريطانية. وأحد الاختلافات الأخرى – من نواح كثيرة أكثر عمقاً من العجز المالي – هو الوضع السلبي لصافي الاستثمار الدولي للولايات المتحدة، والذي يقل قليلاً عن -70% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعني الوضع السلبي لصافي الاستثمار الدولي بشكل أساسي أن الملكية الأجنبية للأصول الأمريكية تتجاوز الملكية الأمريكية للأصول الأجنبية. وعلى النقيض من ذلك، كانت بريطانيا لا تزال تتمتع بوضع إيجابي للغاية لصافي الاستثمار الدولي في الفترة ما بين الحربين العالميتين، على الرغم من مبالغ الأصول الخارجية التي تم تصفيتها لتمويل الحرب العالمية الأولى. ففي الفترة من عام 1922 حتى عام 1936 كانت أعلى من 100% من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن بحلول عام 1947، انخفض إلى 3%.

وكان بيع الفضة المتبقية للإمبراطورية (على وجه الدقة، إلزام المستثمرين البريطانيين ببيع الأصول الخارجية وتسليم الدولارات) إحدى الطرق التي دفعت بها بريطانيا ثمن الحرب العالمية الثانية. أمريكا، الإمبراطورية الأضخم بالنظر لحجم الديون، ليس لديها رصيد معادل. وهي لا تستطيع دفع تكلفة الحفاظ على مركزها المهيمن في العالم إلا من خلال بيع المزيد من ديونها العامة للأجانب. وهذا أساس محفوف بالمخاطر لوضع القوة العظمى.

مواجهة عواصف جديدة

لم تكن حجة تشرشل في كتابه “العاصفة المتجمعة” هي أن صعود ألمانيا وإيطاليا واليابان كان عملية لا يمكن وقفها، مما يحكم على بريطانيا بالتراجع. فعلى العكس من ذلك، أكد تشرشل على أنه كان من الممكن تجنب الحرب إذا اتخذت الديمقراطيات الغربية إجراءات أكثر حسماً في وقت سابق في الثلاثينيات. وعندما سأله الرئيس فرانكلين روزفلت عن الصفة التي يمكن أن نصف بها تلك الحرب، أجاب تشرشل في الحال: “الحرب غير الضرورية”.

وبنفس الطريقة، لا يوجد شيء لا يمكن تفاديه فيما يخص صعود الصين، وأقل من ذلك صعود روسيا، في حين أن جميع الدول الأقل المنحازة لها، من كوريا الشمالية إلى فنزويلا، هي مجرد سلال اقتصادية. وسكان الصين يشيخون أسرع مما كان متوقعا. وقوتها العاملة تتقلص. وديون القطاع الخاص شديدة الارتفاع تلقي بظلالها على النمو. لقد أدى سوء تعامل الصين مع التفشي الأولي لفيروس كوفيد-19 إلى إلحاق ضرر كبير بمكانتها الدولية. كما أنها تخاطر بأن تلعب دور الشرير في أزمة المناخ، حيث لا يمكنها بسهولة التخلص من عادة حرق الفحم لتشغيل صناعتها.

ومع ذلك، فمن السهل جداً رؤية سلسلة من الأحداث تتكشف حالياً، حيث يمكن أن تؤدي إلى حرب أخرى غير ضرورية، على الأرجح ضد تايوان، والتي يطمع فيها السيد شي والتي تلتزم أمريكا (بشكل غامض) بالدفاع عنها ضد الغزو – وهو التزام يفتقر إلى المصداقية بشكل متزايد. ومع تحولات ميزان القوة العسكرية في شرق آسيا. ]الضعف المتزايد لحاملات الطائرات الأمريكية أمام الصواريخ البالستية الصينية المضادة للسفن مثل (DF-21D) هو مجرد مشكلة واحدة يفتقر البنتاغون إلى إيجاد حل جيد لها[.

وإذا فشل الردع الأمريكي وراهنت الصين على انقلاب رئيسي بهذا الصدد، فستواجه الولايات المتحدة خياراً قاتماً بين خوض حرب طويلة وصعبة – كما فعلت بريطانيا في عامي 1914 و 1939 – أو تواجه الانسحاب، كما حدث مع بريطانيا في السويس عام 1956.

قال تشرشل إنه كتب “العاصفة المتجمعة” ليبين:

“كيف يتعزز خبث الشرير نتيجة ضعف الصالح. وكيف أن هيكل وعادات الدول الديمقراطية، ما لم يتم توحيدها في كيانات أكبر، تفتقر إلى عناصر المثابرة والقناعة التي يمكن أن توفر الأمن للجماهير الضعيفة؛ وكيف أنه، حتى في مسائل الحفاظ على الذات … تصبح مشورات الحكمة وضبط النفس عوامل رئيسية لحدوث خطر مميت … وكيف يمكن اكتشاف أن اتخاذ المسار الوسط – الذي يتم تبنيه في العادة نتيجة الرغبة في الأمان والحياة الهادئة – قد يقود مباشرة إلى قلب الكارثة”.

واختتم تشرشل المجلد (العاصفة المتجمعة) بإحدى مقولاته القوية: “الحقائق أفضل من الأحلام”. لقد أصبح القادة الأمريكيون في السنوات الأخيرة مغرمين بالأحلام، من خيال “هيمنة الطيف الواحد” للمحافظين الجدد في عهد جورج دبليو بوش إلى الكابوس المظلم المتمثل في “المذبحة” الأمريكية التي استحضرها دونالد ترامب. وبينما تتجمع عاصفة عالمية أخرى، قد يكون الوقت قد حان لمواجهة حقيقة فهمها تشرشل جيداً وهي أنه: نادراً ما تكون نهاية الإمبراطورية عملية غير مؤلمة، إن وجدت.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close