fbpx
دراسات

العولمة بعد أزمة كورونا: تحديات مستجدة وسيناريوهات محتملة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

أضحت العولمة جزءاً راسخاً من العالم الحديث، بتقديمها للعديد من الفوائد والمزايا التي شكلت نمطاً اعتيادياً لحياة الأفراد اليومية في كل انحاء العالم يصعب الاستغناء عنه، ويكفي أن نعدد أصنافاً لهذه العادات لنتذكر كونها جزءاً من مزايا العولمة التي لا يمكن التضحية بها، فسهولة الوصول إلى مجموعة متنوعة من المأكولات المختلفة أو التقنيات الجديدة لأدوات التواصل وغيرها أمثلة على ذلك.

وتشير العولمة [1] ببساطة إلى التدفق المفتوح للمعلومات والتكنولوجيا والسلع بين البلدان والمستهلكين، الذي يحدث من خلال مجموعة من العلاقات تشمل الأعمال التجارية والجغرافيا السياسية والتكنولوجيا إلى السفر والثقافة والإعلام.

وبذلك يمكن تعريف العولمة)[2] (بأنها “زيادة الترابط والاعتماد المتبادل بين الشعوب والبلدان. من خلال عنصرين مترابطين هما فتح الحدود الدولية لتدفق سريع ومتزايد للسلع والخدمات والتمويل والأشخاص والأفكار؛ والتغييرات في المؤسسات والسياسات على المستويين الوطني والدولي التي تسهل أو تعزز مثل هذه التدفقات”.

ومن الواضح أن اتباع سياسات العولمة توسع فوائد الانفتاح والتكامل الدولي ولكنها في نفس الوقت ذات آثار جانبية تتعارض مع العدالة إلى حد كبير،, ومن بين أهم تلك السلبيات تتجلي معدلات النمو المنخفضة والارتفاع المضطرد في معدلات الفقر والبطالة، بالإضافة إلى الانحسار المستمر للطبقة المتوسطة، وتركز الثروات في ظل انعدام عدالة التوزيع،  ويضاف إلى ذلك الصعوبات التي واجهتها دول العالم  في الوصول إلى احتياجاتها من السلع -لا سيما الطبية منها- في أعقاب اندلاع أزمة كورونا، وهو الأمر الذي أعاد الجدل حول العولمة ومزاياها وعدالتها ومستقبلها إلى الواجهة مرة أخري.

وتحاول هذه الورقة محاولة استقراء الرؤي حول المشاكل والصعوبات التي تواجهها العولمة في أعقاب أزمة كورونا، وإلى أي مدي يمكن أن تؤثر على مستقبل العولمة ونموها المستقبلي.

مشكلة البحث:

أثّر انتشار العولمة تأثيرا كبيرا ليس فقط في حياة البشر، ولكن أيضا في أساليب عمل الشركات والمؤسسات بل والدول كذلك، وبالتالي فان ما أحدثه فيروس كورونا من تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي خلق العديد من التحديات للعولمة، والتي ربما تقوض فقط بعضا من مزاياها على الدول والبشر، وربما يتطور الأمر إلى تقويض العولمة كليا وانتهائها، أو ربما يعرقل توسعها وانتشارها.

وكل ما سبق سيناريوهات مفتوحة ذهب الكثير من الباحثين إلى محاولة استقرائها استشرافا للمستقبل، بغية الاستعداد لتآكل بعض المزايا، أو ربما الاستعداد لعصر جديد.

وتحاول الورقة استقراء السيناريوهات المختلفة التي قال بها الاستشرافيون ومحاولة الترجيح فيما بينها ما أمكن، في ظل ضبابية المشهد الراهن إلى حد كبير.

أهمية البحث:

مكّنت التكنولوجيا المعولمة الجنس البشري من تعبئة موارد الكوكب بصورة غير مسبوقة تسببت في الكثير من المزايا والفوائد، فبينما زادت الرفاهية في الدول الكبرى، قلصت الفقر في الكثير من البقاع حول العالم.

ولذلك فقد استثارت الدعوات الانعزالية التي أعقبت انتشار فيروس كورونا حفيظة الكثيرين، فبينما توجس مناصرو العولمة خيفة من انحسارها وتداعيها، هلل مخالفوها لبروز هذه الاحتمالات لانهدام هذا البنيان الضخم الذي سبب الكثير من المساوئ والتفاوت وانعدام العدالة على المستوى الدولي.

ولذلك فإن دراسة السيناريوهات المتوقعة للعولمة تبدو من الأهمية بمكان ليس فقط للباحثين وإنما أيضا لصانعي القرار في الدول والتي ستتأثر ولا شك بتحقق أي منها.

مناهج البحث:

سوف يتم إعداد هذا البحث من خلال الاعتماد على مناهج البحث التالية:

  • المنهج الوصفي: وذلك من خلال وصف ظاهرة العولمة وأثرها ومزاياها وتحدياتها.
  • المنهج التاريخي: وهذا لأن البحث سوف يناقش بالتحليل بعض المقارنات الزمنية بين تحديات العولمة قبل وبعد فيروس كورونا.
  • المنهج الاستقرائي: وذلك لمعرفة الجوانب المتعلقة بأهم السيناريوهات المتوقعة للعولمة بعد تداعيات فيروس كورونا.

المساهمة المتوقعة من هذا البحث:

رغم مرور ما يزيد عن العام على انتشار فيروس كورونا إلا أن تداعياته الكلية لا سيما على العولمة لا يوجد اتفاق حولها، ولذلك تحاول الورقة استعراض السيناريوهات المتوقعة للعولمة بعد انتشار فيروس كورونا، ومحاولة الترجيح بينها.

خطة البحث:

تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة مباحث، الأول: مزايا العولمة والتحديات التي واجهتها في مرحلة ما قبل كورونا، الثاني، تحديات مستجدة للعولمة بعد فيروس كورونا، الثالث، سيناريوهات مستقبل العولمة بعد أزمة كورونا.

المبحث الأول: مزايا العولمة والتحديات التي واجهتها في مرحلة ما قبل كورونا

بدأت إرهاصات انحسار العولمة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتعمقت بعد تأجج الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وبعد كشف فيروس كورونا للكثير من مواطن الخلل الهيكلي للعولمة، ظهر جلياً أن العلم بات على وشك حقبة جديدة، اختلف الباحثون حول ملامحها.

وقد أمدّت فترات انتشار العولمة الإنسانية بالكثير من الفوائد والمزايا التي انتشرت في كل أرجاء الكرة الأرضية، كما واجهتها العديد من التحديات التي سبقت انتشار فيروس كورونا، ويحاول هذا المبحث استقراء ذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: أثر العولمة على مناخ الأعمال:

تؤثر العولمة على الأعمال التجارية بالعديد من المؤثرات التي تتسبب في خفض التكاليف وزيادة التنافسية واتساع السوق، ومن بين هذه المؤثرات ما يلي:

  • زيادة التنافسية: عمقت العولمة المنافسة في السوق العالمية، حيث يطلب المستهلكون منتجات ذات جودة أعلى وأرخص ثمناً، ويتوفر لديهم بدائل لمجموعة عالمية من الشركات للاختيار من بينها، لذلك فالشركات التي تتطور لتوفر ما يريده المستهلكون ويحتاجون إليه هي فقط التي ستبقي وتزدهر. ببساطة تعني المنافسة المعولمة أنه يجب على الشركات مواكبة التطورات العالمية، والجاهزية الدائمة لتغيرات السوق العالمية من أجل البقاء)[3](.
  • اتساع وتنوع الأسواق: من المنطقي أن تجد الشركات التي تستطيع أن تتجاوب مع احتياجات السوق العالمية أسواقاً أكثر اتساعا من نظيرتها المحلية التي تقبل على منتجاتها، كما سيوفر لها هذا الاتساع إمكانات التنوع الإنتاجي، على وفورات الحجم الإنتاجي الكبير، والتي تعمل على خفض التكلفة وزيادة التنافسية، الأمر الذي يصب في اتساع السوق وتنوع الإنتاج.
  • زيادة تدفق التجارة ورأس المال والمعلومات والأفراد: وهذه الأربعة التي تسببت العولمة في زيادتها تعد العناصر الرئيسة لمؤشر الترابط العالمي DHL، والذي أعد من كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك[4]، والذي ترتب الدول على أساسها من حيث درجة انغماسها في العولمة.
  • الانتشار التكنولوجي: تسارع احتياجات الشركات إلى التطوير والتحديث والتنافسية دفعها إلى البحث الدائم عن التكنولوجيا الأحدث التي تعظم الجودة وتقلل التكلفة، الأمر الذي سارع الانتشار التكنولوجي، ودعم العمل على التشارك في التكنولوجيا والبنية التحتية التكنولوجية.
  • تعزيز تنوع القوة العاملة: في إطار سعيها لتوطين التكنولوجيات الأحدث، وغزو الأسواق الدولية، تنمو احتياجات الشركات العاملة على مستوى عالمي لموظفين ذوي خلفيات تعليمية وثقافية وخبراتية متنوعة، فأصبح من المعتاد ان توظف هذه الشركات موظفي الإدارة من بلدان مقراتها الادارية، بينما يوظفون عمالاً أقل أجورا في مواطن المصانع، الأمر الذي يعمل على خفض التكاليف الإجمالية للإنتاج وبالتالي زيادة التنافسية.

ورغم مزايا التنوع هذه، إلا أن التحدي في إدارة فريق عمل ذوي خلفيات ثقافية مختلفة لتحقيق أهداف الشركة يبدو أكثر وضوحاً.

  • تكامل وتعميق سلاسل التوريد والتحالفات الدولية

تطور نموذج المعاملات الدولية إلى التبادلات والعلاقات الأكثر تنسيقاً على مدار العقود الثلاثة الماضية؛ وقد أدى ظهور نموذج التسويق بالعلاقات، والتشكل المتسارع للتحالفات، والانتقال للعديد من المعاملات إلى الشراكات الاستراتيجية الدولية إلى تغيير طريقة إدارة الأعمال بشكل كبير)[5](.

باختصار فقد دفعت العولمة نحو الاهتمام بسلاسل التوريد العالمية، وذلك لتأمين إمدادات الشركات لا سيما الوسيطة منها بالبضائع، وربما يشير النجاح الكبير في تكامل وتعميق تلك السلاسل إلى الورطة التي أصابت الاقتصاد العالمي في أعقاب انتشار كوفيد-19. 

ثانيا: فوائد العولمة للاقتصاد العالمي:

من الصعب تجاهل الفوائد الاقتصادية للعولمة، والتي يمكن ملاحظتها على مستوى الاقتصاد العالمي ككل، أو على مستويات الدول منفردة، أو حتى على المستوى الجزئي، ويمكن تتبع بعض تلك المزايا فيما يلي:

1- زيادة تدفق رأس المال

تسببت العولمة في اتساع الأسواق وزيادة التجارة العالمية مما أدى إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الذي تزايد من حوالي 50 تريليون دولار في عام 2000 إلى حوالي 75 تريليون دولار في عام 2016 )[6](، ثم 89 ترليون دولار في عام 2019، ويرجع ذلك أساساً إلى بيئة الترابط الاقتصادي وزيادة التجارة العالمية التي وفرتها العولمة.

وعلى صعيد الدول، فقد تسبب تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول إلى تزايد تضاعف الناتج المحلي الاجمالي للعديد من الدول التي استطاعت اللحاق بركب العولمة، فعلى سبيل المثال شهدت الهند زيادة في قيمة صادرات خدمات الكمبيوتر من 11 مليار دولار في عام 1995 إلى ما يقرب من 110 مليار دولار في عام 2015. ومؤخراً أصبحت قيمة صادرات الهند من قطاع تكنولوجيا المعلومات نحو 70 مليار دولار سنويا تسهم بنحو 7% من ناتج المحلي الإجمالي للبلاد فضلا عن توفير حوالي 8,8 مليون فرصة عمل حسب الدراسات التي أجرتها منظمة NASSCOM، الذراع الاجتماعي للهيئة الصناعية الهندية بالتعاون مع شركة McKinsey العالمية للاستشارات[7]

وقد ارتبط النمو الاقتصادي في الهند بشكل كبير بهذه الزيادة في قيم صادراتها التكنولوجية، ومما يدلل على أثر العولمة على هذه الزيادة هو اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على استيراد معظم احتياجاتها السنوية من الخدمات التكنولوجية من الهند، حتى أضحت أمريكا أكبر سوق لموردي خدمات تكنولوجيا المعلومات الهنود مثل TCS و Infosys و Wipro و HCL و Cognizant وغيرها، والتي تمتعت مجتمعة بمبيعات تصل إلى 50 مليار دولار إلى الولايات المتحدة في عام 2020[8].

وعلى المستوى الجزئي فقد مكنت العولمة الشركات من تعظيم أرباحها من خلال انفتاحها على أسواق جديدة مع استمرار فائدة انخفاض التكاليف المحلية، كما مكنتها العولمة كذلك  من توفير المال من خلال هيكل التكلفة المنخفضة الذي ينتج عن رخص العمالة والإيجار والمواد.

ومما سبق يمكن القول ان العولمة أدت إلى تسارع التبادلات الاقتصادية مما زاد من معدلات النمو للاقتصاد العالمي، كما عززت تسارع التطور الصناعي العالمي الذي سمح بالتطور السريع للعديد من التقنيات والسلع المتوفرة لدينا في الوقت الحاضر.

2- زيادة رفاهية المستهلكين (أرخص المنتجات بأقل الأسعار)

تعني العولمة زيادة تعرض البلدان النامية للمنتجات والابتكارات التي تحدث في البلدان المتقدمة، وكنتيجة لهذا التعرض المتزايد ولأسباب أخري ليست محلاً للبحث، يمكن القول أنه غالباً ما تنطوي العولمة على تغيير في التفضيلات بين المستهلكين في البلدان النامية لصالح هذه المنتجات المعولمة )[9](.

تعمل العولمة على خفض التكاليف والتسابق نحو الجودة، وبذلك بات المستهلكون حول العالم أكثر وعياً وادراكاً بامكانية الاختيار بين مجموعة من أرخص السلع وأجودها، مما يدفع الشركات الراغبة في الاستمرار والتوسع إلى التنافس لخفض السعر مع الحفاظ على أعلى معايير الجودة، وبذلك يتمكن المستهلك من الحصول على أجود السلع بأرخص الأسعار، فضلاً عن امكانية توظيفه في أحد الشركات التي تعمل في وطنه، مستفيداً من الخبرات والتكنولوجيا الجديدة، بالإضافة بالطبع إلى الأجر المناسب.

وفي هذا الإطار تتباين وجهات النظر بين الخبراء الاقتصاديين، فمنهم من يرى مزايا الرفاهية السابق الإشارة ، وآخرون منهم يرون أن المنافسة الشديدة ستعمل على تخفيض الأجور  كما إليها ستضغط لتقييد تعويضات الرعاية الاجتماعية وبالتالي تقويض مزايا الرفاهية المتحققة من آليات العولمة.

عموماً يمكن القول أن جميع أنواع الانفتاح تؤثر على الفئات الفقيرة والغنية بطرق تختلف باختلاف السياسات الاجتماعية، لا سيما مزايا التدريب وإعادة التوطين مقارنة بالمزايا التي تعود على المعالين من الشباب وكبار السن. وبالتالي، فإن الوجوه المختلفة للانفتاح قد تثير سياسات مختلفة يمكن التنبؤ بها بعضها تحفز بعض جوانب الرفاهية، بينما للأخري آثارا تقلصها[10].

ورغم هذا التباين في وجهات النظر إلا أنه يمكن الجزم بأن مؤسسات العولمة وسياساتها نجحت في تخفيض معدلات الفقر في العالم، وحسنت من مستوى المعيشة في الدول النامية، ووفقاً لإحصاءات البنك الدولي، فقد انخفض الفقر المدقع بنسبة 35٪ منذ عام 1990، وحتى عام      2000، علاوة على ذلك، فقد كان الهدف الأول من الأهداف الإنمائية للألفية هو خفض معدل الفقر لعام 1990 إلى النصف بحلول عام 2015. وقد تحقق هذا قبل خمس سنوات من الموعد المحدد، في عام 2010. بشكل عام في العالم، خرج ما يقرب من 1.1 مليار شخص من دائرة الفقر المدقع منذ ذلك الوقت.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انخفاض أعداد من يعيشون على أقل من 1.90 دولار للفرد في اليوم من نحو 36 في المائة من سكان العالم وبما يقارب 1.9 مليار شخص في عام 1990 إلى 10 في المائة فقط من سكان العالم، وبما يقارب أو 734 مليون شخص خلال العام 2015، كما تشير إلى انخفاض أعداد من يعيشون تحت خط الفقر المدقع خلال العقدين الماضيين بمقدار مليار نسمة[11].

ومما يؤكد تسبب العولمة في تخفيض معدلات الفقر أن أزمة كورونا أججت احتمالات استمرار نجاح المؤسسات الدولية في مواجهته، حيث تشير التقديرات إلى أن يرتفع عدد الفقراء الجدد بسبب جائحة كورونا إلى ما بين 119 و124 مليون بنهاية عام 2020، وهي الأزمة التي وصفها البنك الدولي بأنها لم يسبق لها مثيل حقا[12].

3- الانتشار التكنولوجي والوصول إلى المواهب

قاد الابتكار التكنولوجي السريع وانتشار المنظمات عبر الوطنية إلى تشكيل اقتصاد عالمي يتعارض أحياناً مع المخاوف القومية بشأن الحفاظ على الميزة النسبية والقدرة التنافسية، وقد تسببت العولمة في تسارع انتشار المعرفة والتكنولوجيا في جميع أنحاء العالم في العقود الأخيرة مما قاد إلى تغييرات مهمة في مشهد الابتكار العالمي.

يشير عدد أبريل 2018 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي إلى إن العولمة – التي تشمل تجارة أكثر حرية، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، والاستخدام الدولي لبراءات الاختراع وحقوق التأليف والنشر، قد عززت بشكل كبير نشر المعرفة والتكنولوجيا، وإلى ترجيح مساهمة المنافسة الدولية المتزايدة المرتبطة بالعولمة أيضا في الازدهار التكنولوجي العام، حيث إنها تعزز الحوافز لاعتماد التقنيات الجديدة والابتكار)[13](.

كما أشار الصندوق إلى أن تقاسم الابتكار قد تم من خلال العديد من القنوات، بما في ذلك الاستخدام الدولي لبراءات الاختراع والتجارة، وأن الانتشار المكثف للتقنيات الرائدة في اقتصادات الأسواق الناشئة يساعد في تفسير سبب نمو إنتاجيتها بشكل عام أقوى منه في الاقتصادات المتقدمة، مما يساعد على دفع تقارب الدخل للعديد من البلدان في السنوات الأخيرة، وأن هناك أدلة على أن قادة التكنولوجيا أنفسهم يستفيدون من ابتكارات بعضهم البعض، ويؤكد ذلك على أهمية إنتاج ونشر المعرفة والتكنولوجيا كآلية رئيسية تحقق العولمة من خلالها فوائد عالمية)[14](.

 عموماً لقد أثبتت العولمة بالفعل أن لديها إمكانات هائلة لتعزيز الابتكار ونشر التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من العوائد المحتملة الهائلة للاستثمار في الابتكار في البلدان النامية، فإن تلك البلدان لم تسعَ بصورة مقبولة لتوطين التكنولوجيا مقارنة بنظيراتها من الدول المتقدمة. 

4- التعاون والموارد المشتركة كطريق لحل المشاكل العالمية

يتيح الجمع بين الجهود والموارد مزيداً من الإبداع والابتكار لحل المشكلات التي تؤثر على الأشخاص بصورة جماعية في جميع أنحاء العالم، وتستخدم المنظمات غير الحكومية نهجاً تعاونياً لمعالجة القضايا التي لا تقتصر على الحدود، مثل عمالة الأطفال، والاتجار بالبشر، والرعاية الصحية والوقاية من الأمراض، وفقدان التنوع البيولوجي، واستمرار الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وكلها من القضايا الأكثر صعوبة وتعقيداً في عصرنا وتحتاج للتعاون الدولي على مواجهتها.

وتظل المؤسسات الدولية المتخصصة هي مصدر المواجهة الرئيس لمثل هذه المشكلات، سواء عبر برامج تتبنى تنفيذها بصورة مباشرة، أو عبر المساهمة مع مؤسسات اقليمية أو دول لتنفيذ بعض البرامج لمواجهتها.

5- بعض المزايا الأخري

أدى التكامل العالمي للأسواق المالية إلى خفض الحواجز أمام الاستثمار الدولي بشكل كبير، كما ساعدت العولمة على إتاحة التدفق شبه الفوري للمعلومات عبر الإنترنت للشركات ورجال الأعمال، ومشاركتهم المعرفة حول المنتجات وعمليات الإنتاج والأسعار في الوقت المناسب وعند الحاجة. وقد عملت هذه التطورات على تحسين الناتج الاقتصادي والفرص لكل من الدول المتقدمة والنامية،  كما أدت كذلك إلى مزيد من التخصص بناءً على الميزة النسبية[15].

في الوقت نفسه، أصبح التمويل معولماً أيضا منذ الثمانينيات، مدفوعاً بالسياسات الليبرالية الجديدة، وانفتح عالم المال تدريجياً، عبر تنفيذ “السياسة ثلاثية الأبعاد” الشهيرة: نزع الوساطة، وإيقاف التشغيل، وإلغاء القيود.

وكانت الفكرة هي تبسيط اللوائح المالية، والقضاء على الوسطاء وكسر الحواجز بين المراكز المالية في العالم. وكان الهدف هو تسهيل تبادل رأس المال بين اللاعبين الماليين في العالم. ساهمت هذه العولمة المالية في ظهور سوق مالي عالمي تضاعفت فيه العقود والتبادلات الرأسمالية، حتى أصبحت أضعاف الاقتصاد الحقيقي.

عموماً يمكن القول ان للعولمة المالية فوائد محتملة للبلدان النامية والناشئة بالإضافة للبلدان المتقدمة، حيث تحفز تنمية وتطوير القطاع المالي المحلي وتكامله مع نظرائه في العالم، لكن العولمة المالية يمكن أن تخلق أيضا أزمات، لاسيما مع انتشار المخاطر فور تحرير البلدان لأسواقها المالية، أو انحصار الاستفادة في عدد محدود من الدول دون البقية، أو مخاطر تتعلق بعدم امتلاك الحكومات أدوات سياسة اقتصادية تحت تصرفها، مما يعني حاجتها المتزايدة لشكل من أشكال التعاون الدولي في مجال السياسة المالية.

عموماً يرجح الكثير من الخبراء أن يكون التأثير الصافي للعولمة المالية إيجابياً على المدى الطويل[16].

ثالثاً: التحديات التقليدية التي تواجه العولمة

أسفرت العقود القليلة الماضية من العولمة والابتكار عن أسرع تقدم عرفه العالم على الإطلاق، حيث ارتفعت رفاهية البشر إلى مستويات غير مسبوقة، وازداد متوسط العمر المتوقع، وتراكمت الثروات وتناقصت أعداد الفقراء.

ويشير الكثير من المفكرين إلى أنه على الرغم من هذا الكم الهائل من الفوائد التي استفاد منها العالم جراء العولمة الا أنه فشل في إدارة التعقيدات المتأصلة الناتجة عن الاندماج المتزايد للمجتمعات والاقتصادات والبنية التحتية للحياة الحديثة، ونتيجة لذلك، أصبح العالم أكثر عرضة وبشكل خطير لمخاطر منهجية تتجاوز الحدود)[17](.

وأنه لا تزال للعولمة الكثير من المساوئ، والتي تشير إلى القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأوسع التي يتعين على جميع الحكومات والشركات مواجهتها، وسوف تحاول النقاط التالية بيان أهم التحديات  التقليدية للعولمة من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية قبل انتشار فيروس كورونا.

وتشير التحديات التقليدية للعولمة إلى مجموعة المساوئ والتهديدات الاقتصادية و الاجتماعية العابرة للحدود الوطنية، ومن أهم تلك التحديات ما يلي:

1- استغلال العمال

قامت العديد من الشركات في البلدان المتقدمة بالاستعانة بمصادر خارجية للعمالة اللازمة للإنتاج، فزاد الطلب على العمالة الماهرة من الدول النامية، ورغم نزوح العقول والعمال للخارج، الا ان المحفزات التكنولوجية والاستثمارات الاجنبية وتحويلات العاملين في الخارج عوضت الدول النامية بعض الشئ عن خسائرها من الهجرة جراء العولمة[18].

ورغم ذلك فلا يزال العمال المحليون يتعرضون لدرجات عالية من الاستغلال حتى من فروع الشركات العالمية التي انتقلت للعمل في الدول النامية، حيث تمكنت من تقديم مطالب استغلالية متزايدة لعمالها لأنها قادرة على توفير عمالة أرخص في مكان آخر[19]. علاوة على تشجيع المستهلكين في السوق المحلية للدول النامية على استهلاك منتجات الرفاهية  التي تستنزف دخولهم. ويعد ذلك أحد أكثر الآثار سلبية وتحديا للعالم منذ انتشار العولمة.

2- فقدان الوظائف

‍من أكثر الآثار السلبية للعولمة إثارة للجدل هو فقدان الوظائف، لاسيما فقدانها في الدول المتقدمة جراء احلال العمالة الأرخص غير الماهرة وترحيل العديد من الخدمات إلى البلدان النامية. ففقد العديد من السكان المحليين وظائفهم أو أجبروا على قبول أجور أقل وظروف عمل سيئة نتيجة لذلك.

وعلى سبيل المثال فمنذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) في عام 1993، أدى ارتفاع العجز التجاري للولايات المتحدة مع كندا والمكسيك خلال عام 2002 إلى إزاحة الإنتاج الذي دعم 879280 وظيفة في الولايات المتحدة. معظم أولئك الذين فقدوا وظائفهم كانوا في مناصب عالية الأجور في الصناعات التحويلية[20].

يعد فقدان هذه الوظائف الأثر المباشر لتحرير التجارة عبر النافتا ولفقدان الاقتصاد الأمريكي للوظائف، حيث تتسبب الزيادة في الواردات في تقليل الوظائف لاحلالها محل السلع التي كان من الممكن أن يصنعها العمال المحليون في الولايات المتحدة، كما ساهمت النافتا كذلك في زيادة عدم المساواة في الدخل، وقمع الأجور الحقيقية لعمال الإنتاج، وإضعاف قوى المفاوضة الجماعية للعمال والقدرة على تنظيم النقابات، وتقليل المزايا الإضافية[21].

ويحذر الخبراء في بلدان العالم المتقدم من الأثر السلبي للعولمة على نقص فرص العمل، ويشيرون إلى إن الحواجز التجارية الحمائية لن تنجح في القرن الحادي والعشرين، حيث  المعرفة التي تعبر الحدود بكميات هائلة هي المستجد الأكثر ارباكاً، وأن تقدم الاتصالات يعني أن العمال في العالم النامي سيكونون قادرين على الهجرة الافتراضية من خلال  التحكم في الروبوتات للقيام بوظائف في أوروبا والولايات المتحدة بتكلفة أقل قد تبلغ عشر التكلفة الحالية فقط[22].

3- التكلفة الاستثمارية المرتفعة

تتطلب العولمة الانتشار والتوسع الدولي وهما مسعيان مكلفان للغاية، حيث تتطلب من الشركات استثمار الكثير من مواردها في تصميم وتنفيذ استراتيجية عولمة فعالة، من خلال إنشاء شركات وفروع للتواجد في العديد من الأماكن حول العالم، ودفع الضرائب والتكيف مع أنظمتها في بلدان متعددة، والتوظيف والتعامل مع ثقافات عمالية متنوعة، وفي الكثير من الأحيان مهارات عمالية منخفضة، والبحث المستمر حول توقيع العقود مع شركاء جدد، وتوسيع قواعد العملاء.

وكل هذه الأشياء تتطلب جبالاً من البحث ورأس المال، وهو ما يتناسب مع أحجام الشركات الكبرى ويعد عاملا محبطاً لخطط التوسع للشركات المتوسطة.

4- التدهور البيئي

للعولمة العديد من الآثار السلبية على البيئة، فاتساع أنشطة الأعمال الأساسية واتساع شبكات النقل العالمية والطلب المتزايد في السوق يعني المزيد من استخدام الوقود، مما يساهم في زيادة ضغط غازات الدفيئة، الناتجة من الطائرات والسفن والشاحنات التي تنقل البضائع في جميع أنحاء العالم والضارة بالغلاف الجوي وتؤثر على النظم البيئية المحلية.

عموما تأثيرات العولمة ليست أحداثاً منفصلة ومختصرة، ولكنها ظاهرة متعددة الأوجه، ومن بينها الاثار البيئية السلبية التي تتسبب في الاحترار العالمي، والتقلبات المناخية الحادة، وصعوبة زراعة المحاصيل حتى التقليدية منها، مما يساهم في أزمات ندرة الغذاء.

كما يتوقع أن تكون العولمة مسؤولة كذلك ولو جزئياً عن إدخال أمراض جديدة إلى مناطق معينة، علاوة على التغيرات في مياه المحيطات وكيف تتسبب في انخفاض محتوى البروتين في الأسماك،  علاوة على وجود وانتشار آفات زراعية جديدة، والتغيرات في مستويات ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين وعواقب كل ذلك السلبية على غلة المحاصيل)[23](.

كل ذلك بالإضافة إلى الأضرار التي لا يمكن تعويضها للنظم الإيكولوجية، وتدهور الأراضي، وإزالة الغابات، وفقدان التنوع البيولوجي والمخاوف من النقص الدائم في المياه، والتي سيتضرر منها مئات الملايين من أضعف الفئات حول العالم[24].

5- التهرب الضريبي والسباق نحو القاع:

تسعي الشركات الكبرى إلى استيطان الدول منخفضة الضرائب والأجور، ولجذب المزيد من الاستثمرات الأجنبية تتسابق الدول النامية نحو القاع، حيث تميل الدول اليائسة لجذب الاستثمار إلى خفض الضرائب على الشركات، والسماح بقوانين الصحة والسلامة المتراخية، والحد من شبكات الأمان الأساسية للرعاية الاجتماعية التي لها عواقب اجتماعية ضارة.

وتتعمد الشركات الكبرى في العالم تسجيل فرعها الرئيس في الملاذات الضريبية المنتشرة حول العالم، والتي تمكنها من التهرب من دفع الضرائب للدول النامية التي تتضرر ايراداتها العامة وتتزايد فجواتها التمويلية، الأمر الذي يعد من أبرز مساوئ العولمة التي تستنزف موارد الدول الفقيرة وعمالها وعقولها دونما مقابل يذكر حتى ولو نسب ضريبية منخفضة.

كما يتطلب الامتثال القانوني لأصحاب العمل التوافق مع قوانين العمل المحلية التي تختلف ربما باختلاف الولاية التي يعمل بها المشروع، فهذا يغطي أشياء مثل ساعات العمل وأنواع الإجازة مدفوعة الأجر ومقدارها وحقوق إنهاء الخدمة وحقوق الملكية الفكرية والرواتب والمزايا والضمان الاجتماعي، بينما يهمل الآخر بعضها أو يزيد عليها، وبذلك ستحتاج الشركات إلى أن تكون على دراية بقانون العمل لكل ولاية قضائية، وهذه مهمة إدارية ضخمة وتتطلب استراتيجية مدروسة وسريعة الاستجابة.

6- تحديات تقليدية أخري

يوجد العديد من التحديات التقليدية الأخري للعولمة ومن بينها عدم المساواة، وزيادة التفاوتات في الدخل والثروة، وهذا يؤدي إلى توترات سياسية واجتماعية وعدم استقرار مالي من شأنه أن يقيد النمو. ويمنع العديد من أفقر سكان العالم الوصول إلى التقنيات الأساسية والسلع العامة، علاوة على كونهم مستبعدين من الفوائد.

ومن مساوئها كذلك ارتفاع معدلات التضخم من جانب تزايد الطلب على الغذاء والطاقة مما يتسبب في ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية، وفي تعريض الملايين من أفقر الناس في العالم لخطر المزيد من التردي في المستوى المعيشي.

ومن أهم الآثار السلبية للعولمة اتساع النفوذ السياسي للشركات متعددة ومتعدية الجنسيات على حساب السيادة الوطنية للدول النامية و الأكثر فقرا.

ويضاف إلى تحدياتها كذلك التعرض للصدمات الاقتصادية الخارجية، فأي حدث خارجي في مكان آخر في العالم يؤثر على بقية دول العالم.

كل ذلك بالإضافة إلى الاختلالات التجارية لبعض البلدان التي لديها فوائض تجارية كبيرة، والتي تخلق توترات وضغوط لإدخال سياسات حمائية مثل الأشكال الجديدة للرقابة على الواردات، وقد تقع العديد من البلدان النامية ضحية إغراق الصادرات من قبل المنتجين في الدول المتقدمة.

وأخيراً فان التوحيد القياسي والعلامات التجارية العالمية المهيمنة يؤديان إلى فقدان التنوع الاقتصادي والثقافي حيث تهيمن الشركات العملاقة والعلامات التجارية العالمية متعددة الجنسيات على الأسواق المحلية في العديد من البلدان، مما يخنق المنافسة ويورثها احتكار أسواق العديد من السلع والخدمات.

ومن الجدير بالذكر أنه وقبل اندلاع أزمة كورونا وبسبب هذه التحديات واجهت العولمة مخاطر قلصت توسعاتها السابقة، ففي عام 2016، خرج عشرات الآلاف من المواطنين الأوروبيين إلى الشوارع للاحتجاج على صفقة التجارة الحرة التي يتم التفاوض عليها بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي وقت لاحق، توقفت المفاوضات حول ما يسمى شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي (TTIP) ولم يتم استئنافها منذ ذلك الحين[25].

علاوة على ذلك، ازداد الضغط على العولمة مع زيادة التدابير الحمائية في جميع أنحاء العالم. وقد قدرت منظمة التجارة العالمية (WTO) أن مخزون التدابير التقييدية للواردات قد ازداد منذ عام 2009 وأنه يؤثر على 7.5٪ من الواردات العالمية اليوم. وخلال الفترة ما بين أكتوبر 2018 و 2019، سجلت منظمة التجارة العالمية 102 إجراءً جديداً مقيِّداً للتجارة، تغطي 746.9 مليار دولار أمريكي من التدفقات التجارية[26].

ويضاف إلى ذلك أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين زعزعت أسس التجارة العالمية، مما أدى إلى عملية “فصل” اقتصادي، أجبر العديد من الشركات الأمريكية والصينية على تحويل سلاسل التوريد إلى أماكن أخرى، ويكفي الإشارة هنا إلى إضافة وزارة التجارة الأمريكية، شركات صينية مثل

 Huawei Technologies Co LTD و ZTE Corp إلى ما يسمى بـ “قائمة الكيانات” – وهي قائمة سوداء تحظر على الشركات الأمريكية تزويد شركتي الاتصالات الصينيين العملاقين دون موافقة الحكومة الأمريكية[27].

المبحث الثاني: تحديات مستجدة للعولمة بعد فيروس كورونا

يلقي عدد متزايد من المواطنين في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط باللوم على العولمة في البطالة وزيادة عدم المساواة والأوبئة، وبسبب هذه المخاطر، فإنهم يعتبرون زيادة التكامل والانفتاح والابتكار تهديداً أكثر من كونها فرصة، لا سيما في ظل الخاصية الهامة لمخاطر العالم المعولم وهي أن المشكلة غالباً ما تصبح أكثر خطورة بمرور الوقت.

وقد تسبب انتشار وتداعيات فيروس كورونا في ايجاد مجموعة من التحديات المستجدة للعولمة، والتي كان لبعضها إرهاصات سابقة على بداية انتشار الفيروس ولكنه رسخ وعمق التهديدات الموجهة للعولمة، وستتطرق النقاط التالية لأهم تلك التحديات المستجدة وذلك كما يلي:

1- تعميق النزعات القومية المعادية للعولمة

حتى قبل  ظهور وانتشار COVID-19، كانت العولمة بالفعل تحت تهديد كبير من النزعات القومية المتزايدة، لاسيما بعد الانخفاضات في التجارة والأرباح متعددة الجنسيات والاستثمار الأجنبي، مما أدى إلى ظهور مصطلح “التباطؤ- Slowbalization” الذي صاغته مجلة الإيكونوميست لوصف تلك الانخفاضات[28]، وهو ما دفع البعض إلى القول بأننا تجاوزنا الآن “ذروة العولمة”[29].

إن الترابط الاقتصادي والمعايير أو القواعد المتعددة الأطراف التي رسخت العولمة على مدى العقود العديدة الماضية، والتي أوجدت سلاسل التوريد العالمية التي ساهمت في النمو الاقتصادي الذي شهدته العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل منذ التسعينيات، تواجه تهديدات هائلة ووجودية، لا سيما في ظل صعود قوي مناوئة لها إلى سدة الحكم في العديد من البلدان.

أشاد البعض في اليسار بالفيروس باعتباره علاجاً محتملاً للكوكب المتضرر، وطريقة لكبح قسوة الرأسمالية المعولمة واستعادة فضائل المجتمعات والبلدان على فضائل الشركات والأسواق[30]، وتطور الأمر إلى تصريح بعض رؤساء الدول بتفضيلهم الانكفاء على الذات، ومسارعتهم بإغلاق الحدود، وذلك في محاولة للانقضاض على بنيوية العولمة وإعادتها إلى الخلف.

على الرغم من أن الجدل القائل بأن عصر العولمة قد ينتهى، أو على الأقل آخذ في التلاشي، إلا أنه يبدو حتى الآن أن الأمور لا تزال في نفس المسار السابق، مع بعض التغييرات التي يبدو أنها تكتيكية إلى حد كبير وليست بنيوية، والتي تستهدف اعادة رسم مفردات خريطة الهيمنة العالمية من جديد.

بدا واضحاً أن امتطاء تداعيات فيروس كورونا لإحياء سلطة الدولة القومية ذا تأثير محدود، فلم يمكن لأية دولة القضاء على سيطرة النظام المالي العالمي، كما ان المؤشرات الاقتصادية التي تدعم شعبية العديد من القادة تستند إلى تدويل العمالة والمواد الخام وسلاسل التوريد التي لا يمكن استعادتها مرة أخرى إلى الشبكات والحدود الوطنية دون تقليل جودة الحياة بشكل كبير[31].

1- أزمة سلاسل الإمداد والتوريد

سلاسل التوريد هي مجموعة من ثلاثة كيانات أو أكثر (مؤسسات أو أفراد) معنية بشكل مباشر بالتدفقات الأولية والنهائية للمنتجات والخدمات والشؤون المالية أو المعلومات من مصدر إلى عميل. وتشمل إدارة سلسلة التوريد الإدارة النشطة لهذه الأنشطة والعلاقات بهدف الحصول على ميزة تنافسية مستدامة وتعظيم قيمة العملاء من خلال أكثر الطرق فعالية وكفاءة[32].

وكنتيجة للعولمة قامت معظم الشركات بالاستعانة بمصادر خارجية مما أدى إلى اعتماد كبير على الموردين العالميين، مما عرضها لمشاكل هذه السلاسل، والتي يمكن أن تحدث كنتيجة لأحداث خارجية خارجة عن سيطرة الشركة مثل الكوارث الطبيعية (مثل جائحة COVID-19) أو كنتيجة لأحداث داخلية، مثل حالات سوء الإدارة التي تقع ضمن سيطرة الشركة.

وتكمن أهم المخاطر المتعلقة بهذه السلاسل في عدم اليقين في العرض والطلب، حيث تشير حالة عدم اليقين في التوريد إلى “مخاطر الانقطاعات في تدفق المكونات التي يحتاجها المنتجون لعملياتهم الداخلية”)[33]، ومن الجدير بالذكر أن جودة البضائع المشتراة تعد ذات أهمية كبيرة بقدر أهمية موثوقية أوقات التسليم والتحوط بشأن نقص البضائع أو الارتفاع في الأسعار.

وكنتيجة لزيادة عدم اليقين في العرض والطلب، وعولمة الأسواق، ودورات حياة المنتجات والتكنولوجيا الأقصر عمراً، أصبحت إدارة المخاطر أكثر صعوبة[34] وبما يستلزم تحديد وتقييم ومراقبة ورصد المخاطر وتنفيذ الاستراتيجيات المناسبة بهدف الحد من واحد أو أكثر +من تلك المخاطر.

وخلال بداية التفشي العالمي للوباء في مارس 2020، واجهت إدارة سلسلة التوريد مشاكل كبيرة للتعامل مع الطلب غير المتوقع على منتجات معينة لا سيما المنتجات الطبية والمطهرات، عندما تم فرض قيود متزامنة على السفر والإنتاج، ولا تزال العمليات التجارية تكافح للتعافي والتكيف مع الوضع الجديد والذي من المحتمل أن تواجه تغييرات ستبقى حتى بعد انتهاء الوباء)[35](.

ومن الجدير بالذكر أن كورونا لم تكن الأزمة الأولي لسلاسل الإمداد والتوريد في ظل العولمة، فقد سبقتها الاضطرابات الناجمة عن تسونامي في اليابان عام 2011 وتأثيره على  جميع أنحاء العالم، أو تفشي أوبئة أخرى مثل (سارس) أو (MERS) أو الإيبولا، وان كانت كورونا الأكثر عمقاً وتأثيراً بينها جميعاً، ولكن الأزمات السابقة دفعت الباحثين لتوصية الشركات بإعادة فحص سلاسل التوريد الخاصة بها لتحديد المشاكل والاختناقات المحتملة والتحوط الكافي لاستيعاب التأخيرات والمشكلات المحتملة التي يمكن أن تنشأ، ومن بينها الاحتفاظ بمخزون احتياطي ومخزون أمان للتحوط من حالات عدم اليقين[36].

كما اقترح آخرون تطبيقات للاستدامة في ظل تفشي الأوبئة، إلى جانب التركيز على استخدام الطرق الرقمية والتقنية مثل تحليلات البيانات أو التصنيع الرقمي كطرق لتحسين العمليات، وصارت مصطلحات مثل، التعافي، والتحكم في تأثير التموج، والاستعداد، تهيمن على أجندة البحث المقترحة لمواجهة المشكلة[37].

وقد توصلت نتائج[38] استطلاع أجرته شركة Ernst & Young LLP (EY US) في أواخر عام 2020 وشارك فيه 200 مدير تنفيذي لسلسلة التوريد رفيع المستوى في مؤسسات عبر العديد من القطاعات، بما في ذلك المنتجات الاستهلاكية وتجارة التجزئة وعلوم الحياة والمنتجات الصناعية، شركات السيارات والتكنولوجيا الفائقة في الولايات المتحدة التي تزيد إيراداتها عن مليار دولار إلى أنه في أعقاب الاضطراب الشديد الناجم عن جائحة COVID-19، فإن الشركات في الولايات المتحدة تخطط لتغيير استراتيجيات سلسلة التوريد الخاصة بها لتصبح أكثر مرونة وتعاوناً وتواصلاً مع العملاء والموردين وأصحاب المصلحة الآخرين. وللقيام بذلك، سيزيدون الاستثمار في تقنيات سلسلة التوريد مثل الذكاء الاصطناعي وأتمتة العمليات الروبوتية مع إعادة تدريب العمال.

فيما ترى شركة ماكينزي)[39]( أن الاستجابة الكاملة قصيرة المدى تعني معالجة ست مجموعات من المشكلات التي تتطلب اتخاذ إجراءات سريعة عبر سلسلة التوريد الشاملة، وهي:

  • خلق الشفافية في سلاسل التوريد متعددة المستويات، وإنشاء قائمة بالمكونات الهامة، وتحديد منشأ التوريد، وتحديد المصادر البديلة.
  • تقدير المخزون المتاح على طول سلسلة القيمة – بما في ذلك قطع الغيار ومخزون ما بعد البيع – لاستخدامه كجسر للحفاظ على استمرار الإنتاج وتمكين التسليم للعملاء.
  • تقييم طلب العميل النهائي الواقعي والاستجابة (أو، حيثما أمكن، احتواء) سلوك الشراء الناقص للعملاء.
  • تحسين قدرة الإنتاج والتوزيع لضمان سلامة الموظفين، مثل توفير معدات الحماية الشخصية (PPE) والمشاركة مع فرق الاتصال لمشاركة مستويات مخاطر العدوى وخيارات العمل من المنزل. ستمكن هذه الخطوات القادة من فهم مستويات القدرات الحالية والمتوقعة في كل من القوى العاملة والمواد.
  • تحديد وتأمين القدرات اللوجستية، وتقدير القدرات والتسريع، حيثما أمكن، والتحلي بالمرونة في وضع النقل، عند الحاجة.
  • إدارة النقد وصافي رأس المال العامل عن طريق إجراء اختبارات الضغط لفهم أين ستبدأ مشكلات سلسلة التوريد في إحداث تأثير مالي.

وقد نتجت عن أزمة سلاسل الإمداد والتوريد العالمية أزمتان كبيرتان هما أزمة الرقائق الالكترونية، وأزمة الشحن الدولي، ويمكن باختصار سرد ملامحهما فيما يلي:

  • أزمة الرقائق الالكترونية:

في منتصف شهر مارس2021، نقلت وكالة “رويترز” [40] عن جمعية صناعة أشباه الموصلات الصينية تقريراً بأن العالم يمر بنقص غير مسبوق في الرقائق، بعد نمو مبيعات أشباه الموصلات 18% خلال العام الماضي، كما نقلت عن كوه دونغ جين؛ الرئيس التنفيذي المشارك لشركة سامسونغ، القول إن الشركة، وهي واحدة من أكبر منتجي الرقائق والأجهزة الإلكترونية في العالم، تتوقع حدوث أزمة لأعمالها خلال الربع الثاني من العام الحالي بسبب نقص إمدادات الرقائق.

ويعزو الخبراء تلك الأزمة إلى سوء تقدير من المصنعين الذين توقعوا انخفاض الطلب بسبب الإغلاق الناتج عن فيروس كورونا، ولكنه على العكس من هذه التوقعات تزايد الطلب بصورة كبيرة بعد امتداد الإغلاق لفترات طويلة، والبقاء في المنازل وانتشار العمل عن بعد، الذي استلزم شراء أجهزة الكمبيوتر المحمولة والألواح الإلكترونية، علاوة على أجهزة الألعاب الإلكترونية (البلاي ستيشن).

ووصلت الأزمة لحدود غير متصورة، إذ أعلنت العديد من مصانع السيارات حول العالم توقفها عن الإنتاج لبعض الوقت، وفي لقاء مع المسؤولين في البيت الأبيض شرح مصنعو السيارات الأميركية أبعاد الأزمة، وطالبوا إدارة الرئيس بايدن بتخصيص جزء من حزمة التحفيز لرقائق السيارات، كما حذروا من احتمالية حدوث عجز بمقدار 1.3 مليون وحدة من السيارات والشاحنات الخفيفة في الولايات المتحدة وحدها خلال العام الجاري في حال لم يحظَ قطاعهم بالأولوية والدعم.

  • حرب الشاحنات

تسببت حرب الشاحنات والتي يقصد بها عودة الشاحنات فارغة إلى الصين في تكدس كبير في البضائع لا سيما السلع الغذائية حول العالم، وتكمن المشكلة الرئيسية في أن الصين، التي تعافت أسرع من وباء كوفيد 19، قد أنعشت اقتصادها القائم على التصدير، وتدفع علاوات ضخمة مقابل الحاويات، ما يجعل إرسالها فارغة مجدداً للصين مربحاً أكثر بكثير من تعبئتها.

وهو الأمر الذي تسبب في ارتفاعات غير مسبوقة لأسعار الشحن حول العالم، حتى بلغت الزيادات ما يزيد عن 300% بنهاية يناير)2021[41](، ورغم أن عودة الحاويات فارغة بعد رحلتها ليست أمراً غريباً، فقد كانت شركات الشحن عادة تحاول تعبئتها للاستفادة من أسعار الشحن في الاتجاهين، ولكن تكلفة حمل البضائع من الصين إلى الولايات المتحدة أعلى 10 مرات تقريباً من الرحلة المعاكسة، ما يجعل شركات الشحن تفضل المسارعة بإعادة الصناديق فارغة بدلاً من تعبئتها.

عموما، لم تكن أزمة سلاسل الإمداد والتوريد هي الأزمة الوحيدة الناجمة عن العولمة والتي عمقها فيروس كورونا بل وجدت بعض الأزمات الأخرى، ومنها على سبيل المثال عودة الملاذات الضريبية إلى الصدارة، وغياب التوزيع العادل للقاحات.

2- أزمة التهرب الضريبي عبر الملاذات

لم يلتفت العالم للتهرب الضريبي من خلال نوافذ الملاذات الضريبة حتى الأزمة المالية لعام 2008، وطبقا لصندوق النقد الدولي[42] فقد استيقظ العالم على حقيقتين واقعتين، أولهما، أن هذه الظاهرة أكبر بكثير وأكثر مركزية في الاقتصاد العالمي مما كان يتخيله أي شخص تقريباً، وثانيهما، أن أكبر الملاذات ليست حيث اعتقدنا أنها موجودة.

توفر الملاذات الضريبية أماكن لاخفاء الأنشطة غير المشروعة للنخب التي تستخدمها، على حساب الأغلبية الأقل نفوذاً، وكقاعدة عامة، كلما كان الفرد أكثر ثراءً  وكلما كانت الشركة متعددة الجنسيات أكبر – بعضها لديه مئات من الشركات التابعة في الخارج – كلما اندمجوا بشكل أعمق في نظام الأوفشور ودافعوا عنه بقوة أكبر، ويشير ذلك بوضوح أن تكامل النظام المالي العالمي وبالتالي العولمة ذاتها هو المسئول والمتورط في تعميق أنظمة التهرب الضريبي.

وطبقا لبعض الدراسات تكلف الملاذات الضريبية الحكومات مجتمعة ما بين 500 مليار دولار و 600 مليار دولار سنوياً من عائدات ضرائب الشركات المفقودة، اعتماداً على التقدير، ومن بين هذه الإيرادات المفقودة، تتكلف الاقتصادات منخفضة الدخل حوالي 200 مليار دولار، وهي أكثر من 150 مليار دولار تقدم كمساعدات لهذه الدول[43]، ويمتد الأمر كذلك للأموال المهربة من الأفراد والتي قدرها البعض بحوالي 8.7 تريليون دولار في الملاذات الضريبية[44].

وقد أثير موضوع التهرب الضريبي من جديد في أعقاب الأزمة المالية الضخمة التي منيت بها الحكومات في أعقاب فيروس كورونا، والتي اضطرتها في إطار البحث عن الأموال اللازمة لمساندة الشركات والأفراد إلى اتباع سياسات تسهيل كمي غير مسبوقة، ضخت من خلالها تريليونات الدولارات لانعاش الاقتصادات المعطلة، وفي إطار البحث عن مصادر التمويل لتلك المساندات عاد موضوع الملاذات الضريبة إلى الواجهة.

وفي اجتماعها الدوري في منتصف 2021 تعهد وزراء مالية دول مجموعة السبع الكبار بفرض نسبة ضريبة عالمية دنيا على الشركات قدرها 15% على الأقل، وهو الخبر الذي وصفه الكثيرون “بالنبأ السار للعدالة والتضامن الضريبي”، تبعه إعلان وزراء خارجية دول مجموعة العشرين عن بدء اتخاذا الإجراءات والخطوات التنفيذية اللازمة للتنفيذ.

ويرتكز هذا الاتفاق على محورين، أولهما، دفع الضريبة لدولة ممارسة النشاط، وهو الأمر الذي سيمنع تحويل الشركات الكبرى وخاصة شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية من تحويل أرباحها الناتجة من ممارسة أنشطتها في العديد من الدول إلى دولة المقر الرئيس للشركة إلا بعد دفع النسبة الضريبية المتفق عليها لدولة ممارسة النشاط.

وثانيهما، هو التوافق على حد أدنى 15٪ للضرائب على أرباح الشركات على مستوى العالم، وعلى الرغم من أنه أقل من المعدل الذي اقترحه الرئيس الأمريكي بايدن والبالغ 21%، إلا أنه خطوة مهمة، ومن المتوقع التباحث على زيادته مستقبلاً.

وتحاول الدول الكبرى من خلال هذا الاتفاق السعي نحو الحد من السباق العالمي نحو القاع والذي يعني التوجه الذي تقبل عليه حكومات كثيرة في العالم لتخفيض ضرائب الدخل على الشركات في محاولة للتنازع على رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، هو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى انخفاض الإيرادات الضريبية من الشركات كأحد أهم مصادر الإيرادات العامة في العالم، وبالتالي تضرر الإنفاق العام على الخدمات العامة، وما يرتبط به من مقتضيات العدالة الاجتماعية.

ويشير مؤشر ملاذ ضرائب الشركات لعام 2021، والذي يصنف الدول الأكثر تواطؤاً في مساعدة الشركات متعددة الجنسيات على دفع ضرائب أقل، إلى أن تسهيلات هذه الدول لتجاوزات الشركات يكلف العالم 245 مليار دولار من الضرائب المفقودة سنوياً، وأنّ دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وتوابعها ( 37 دولة ذات دخل مرتفع)، مسؤولة عن 68% من مخاطر إساءة استخدام ضرائب الشركات في العالم.[45]

عموماً يمكن القول أنه رغم من أن التهرب والملاذات الضريبة أمراً سابقاً بسنوات طويلة على أزمة فيروس كورونا، وأنه رافد ونتاج طبيعي للعولمة، الا أن الاهتمام الجدي بمواجهته نما لمواجهة تداعيات نقص الايرادات العامة للدول وبحثها عن مصادر لتعويض هذا النقص.

3- غياب العدالة في توزيع اللقاحات وأثرها على عودة الحياة الاقتصادية

تشير تصريحات المسئولين الأمميين عن الصحة العالمية أن التوزيع غير العادل للقاحات المضادة لفيروس كورونا هو هزيمة اخلاقية إلى جانب كونها هزيمة اقتصادية، وفي هذا الإطار قال تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (WHO) “إن المساواة في اللقاحات هي التحدي في عصرنا”. “ونحن نفشل”. و أفاد أنه من بين 832 مليون جرعة لقاح تم إعطاؤها حتى نهاية إبريل 2021، ذهب 82 في المائة إلى البلدان ذات الدخل المرتفع أو المرتفع من الدخل المتوسط ​​، بينما تم إرسال 0.2 في المائة فقط إلى البلدان ذات الدخل المنخفض. وفي البلدان ذات الدخل المرتفع وحدها، تم تطعيم 1 من كل 4 أشخاص، وهي نسبة تنخفض بشكل حاد إلى 1 من كل 500 في البلدان الفقيرة[46].

وصفت نغوزي أوكونجو إيويالا، المدير العام لمنظمة التجارة العالمية (WTO)، التفاوتات في اللقاح بأنها “غير معقولة أخلاقياً”. وقالت إن معالجة عدم المساواة مهمة تجبر العالم على مواجهة عقبات تقنية ولوجستية وسياسية وسياسية شاقة، لكن يمكن التغلب عليها بطريقة عملية ومستنيرة تجريبياً. وأكدت أنه في حين أن الدافع للحفاظ على الإمدادات أمر مفهوم، فإن تأمين السلامة الشخصية لا يكفي. “يجب أن نجد طريقة للمشاركة)[47](.”

وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أنه من خلال احتكار توريد اللقاحات ضد Covid-19، فإن الدول الغنية تهدد بأكثر من مجرد كارثة إنسانية، فالدمار الاقتصادي الناتج سيضرب البلدان الغنية بنفس القدر تقريباً للدمار الموجود في العالم النامي.

 وفي السيناريو الذي يصفه الباحثون بالمرجح، والذي تقوم فيه البلدان النامية بتلقيح نصف سكانها بحلول نهاية العام، سيستمر الاقتصاد العالمي في استيعاب ضربة تتراوح بين 1.8 تريليون دولار و 3.8 تريليون دولار. أكثر من نصف الألم سيتركز في البلدان الغنية[48].

بينما يشير السيناريو المتطرف إلى أنه مع تلقيح الدول الغنية بالكامل بحلول منتصف هذا العام، وإغلاق البلدان الفقيرة إلى حد كبير، سيتعرض الاقتصاد العالمي لخسائر تتجاوز 9 تريليونات دولار، وهو مبلغ أكبر من الناتج السنوي لليابان وألمانيا معاً. وإلى أن ما يقرب من نصف هذه التكاليف سيقع أثرها على الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا[49].

لا شك أن انعدام العدالة في توزيع الثروات العالمية الذي هو منتج رأسمالي ترسخ وتعمق في ظل العولمة يعد هو المسئول الاول عن عدم عدالة توزيع اللقاح، والذي سيؤثر سلباً على الاقتصادات العالمية غنيها وفقيرها، كما تشير الدراسات الاقتصادية المتخصصة، ولكن ما يجدر الإشارة إليه أن الآثار السلبية على الدول الغنية قد تعاني فقط انتقاصاً من مستويات الرفاهية التي اعتادها المواطن الغربي، بينما تعني الموت جوعاً لملايين المواطنيين في الدول النامية.

المبحث الثالث: سيناريوهات مستقبل العولمة بعد أزمة كورونا

تتضمن عملية العولمة الحالية، التي يعود تاريخها إلى السبعينيات من القرن الماضي، مراحل من النمو والانكماش والطفرة، وبما يتوافق مع العديد من التغييرات الهيكلية في النظام الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، بما في ذلك صعود القوى الناشئة في آسيا وما يرتبط بذلك من تحول مركز النشاط العالمي من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ.

وكما أدى الركود الكبير في نهاية العقد الأول من القرن الحالي إلى تسريع وتوحيد هذه التغييرات،  فان الأزمة الصحية الحالية ستترك بصماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على العلاقات الدولية وعملية العولمة نفسها.

يتعرض عصر العولمة والحدود المفتوحة وسلاسل القيمة العالمية لضغوط شديدة، بدأت قبل انتشار فيروس كورونا وتعمقت بشدة بعده، فلقد أدت الشعوبية والحمائية وتغير المناخ إلى تحدي العولمة الاقتصادية، ولكن جاء تفشي كوفيد -19 ليعلن اختلافا حادا في وجهات النظر ما بين نهاية العولمة أو استمراراها مع بعض التعديلات، او غير ذلك من السيناريوهات، والتي يمكن تناولها كما يلي:

السيناريو الأول: بقاء العولمة على حالها

تحدث الأزمات الكبرى تأثيرات كبيرة، يصعب توقعها، فقد أدى الكساد العظيم إلى ظهور النعرات الانعزالية، الوطنية، الفاشية، ثم الحرب العالمية الثانية، ولكن تبعه بروز الولايات المتحدة كقوة عالمية وانحسار الاستعمار. كما وَلَّدَتْ الأزمة المالية في عام2008 الشعبوية التي استبدلت عدداً من القيادات عبر العالم.

وفي إطار ذلك رجح العديد من الاستشرافيين سيناريو بقاء العولمة على حالها، ولعل أبرزهم هو ميشيل فوكاياما الذي توقع حدوث تغيرات في بعض ملامح العولمة دون النَّيْلِّ من جوهرها.

يتوقع Fukuyama[50] أن يستمر توزيع القوى العالمية في الاتجاه شرقاً، في ضوء الأداء الأفضل الذي قدمته بلدان شرق آسيا بالمقارنة بأوروبا والولايات المتحدة، من الممكن أن يؤدى الوباء خلال السنوات القادمة إلى تراجع نسبي في وضع الولايات المتحدة، وتآكل النظام الليبرالي وظهور الفاشية من جديد، ومن الممكن أيضا أن يعيد صعود الديموقراطية الليبرالية، وهي النظام الذي يتعرض لكثير من الشكوك ولكنه أظهر مرونة وقدرة على التجديد .

يمكن بسهولة تصور النتائج المتشائمة والمتمثلة في؛ الوطنية، الانعزالية، كراهية الأجانب، والهجوم على النظام العالمي الليبرالي، التي زادت لعدة سنوات سابقة وسيسرع الوباء من وتيرتها. سيرفع الانحياز الوطني من احتمال النزاع العالمي، وقد يرى القادة في المعركة مع الأجانب فرصة للالتفاف على مشاكل سياسية محلية، وغيرها. ومثلما حدث في أعقاب أزمات عالمية سابقة مثل الكساد العظيم، من المحتمل أن تتمخض الأزمة الحالية أيضا عن بعض نتائج سياسية إيجابية، كأن تضع حداً للأشكال المتطرفة من الليبرالية الجديدة، وأيديولوجية حرية السوق)وفقاً لمدرسة شيكاغو).

لقد ظهر مع تفشى وباء كورونا مدى أهمية الدور الفعال للدولة في التعامل معه، بما يصعب معه استمرار الاقتناع بما ردده الرئيس ريجان بأن “الحكومة ليست هي الحل لمشكلاتنا، ولكن هي المشكلة.” كما لا يمكن لأي أحد أن يزعم أن القطاع الخاص والرعوي قادر على الإحلال محل الدولة في الطوارئ الوطنية.

وينهي فوكوياما الاستشراف بقوله أن الأزمة قد لا تنبثق عن نقطة تحول في الأوضاع الاقتصادية والسياسية العالمية على النحو الذي يثيره البعض، فبدلاً من أن تضع العالم على مسار مغاير، المتوقع إنها سترسخ الاتجاهات السائدة بالفعل حالياً. وباختصار، لا يجب أن يتوقع أحد أن يبدل الوباء– أو يَقْلِّبَ – الاتجاهات التي سادت قبل الأزمة.

ويرى آخرون في إطار تبرير هذا السيناريو أن العولمة سوف تستمر في موقف الدفاع، وتتسع المساحات أمام سياسات الدول الوطنية، وتواصل الصين والولايات المتحدة مسارهما التصادمي، وفي داخل الدول ستبقى المعارك دائرة بين القلة الحاكمة والسلطويين الشعبويين والليبراليين المعولمين، وستواصل النيوليبرالية موتها البطئ، ويصبح الأوتوقراط  الشعبويون أكثر سلطوية، ويستمر اليسار في النضال لوضع برامج مقبولة تُغْرِّى الناخبين عند أية انتخابات مقبلة[51].

كما يرى البعض أن التكنولوجيا التي هي جوهر الأحادية في العقدين الماضي حولت الاقتصاد العالمي من الاعتماد على الأصول الملموسة إلى الأصول غير الملموسة مثل البرمجيات، والتي لا تتطلب سلاسل توريد معقدة، بالإضافة إلى تسارع وتيرة الرقمنة الناتجة عن الاغلاقات المتتالية، وبروز دور الذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الذي يشير إلى استمرار العولة مع تغيرات في بعض الآليات، وكما تشير دراسة بريس ” صحيح أنه سيكون لدينا عولمة أقل من حيث السلع والخدمات، ولكن سيكون لدينا المزيد من العولمة من حيث البيانات”)[52](.

عموماً تشير المراجعة الشاملة والمختصرة للأسباب التي يروجها البعض لتفكك العولمة إلى وجود وتعمق هذه الأسباب في الفترة التي سبقت كورونا، فتقلص النفوذ الأمريكي بصعود الآخرين ليس بالتوجه الجديد، وربما يبرز افتقاد الرغبة أكثر من الافتقار للقدرة، كما ان فشل المنظمات الدولية في التعاطي مع تحديات الفيروس، سبقه فشل متعدد سابق في تعاطيها مع أزمات تهدد العالم وفي مقدمتها الأزمة المناخية.

بالإضافة إلى أن احتدام الصراع بين القوتين الأكبر في العالم سبق انتشار كورونا، كما أن انعزالية دول الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأزمة، سبقها خروج بريطانيا من الاتحاد، وتفاقم مشكلة الهجرة والأزمات الاقتصادية التي تضرب دول الاتحاد تباعاً، وكلها مشاكل سابقة على الفيروس.

تراتبية وتوالي واستمرار تلك الأزمات، وتزايد حدتها بعد انتشار الفيروس ربما تدعوا إلى قبول السيناريو السابق بصورته الكلية إلى حد كبير، وربما يختلف الاستشرافيون حول بعض تفاصيل الصورة، ولكن اعادة تموضع العولمة، واستمرار ترسخ الاتجاهات العولمية السابقة على تداعيات الفيروس، هي الصورة الكلية الاكثر ترجيحاً للحدوث وفقا لبعض الباحثين، كما ان تطورات وتداعيات وسياسات ما يقارب العام ونصف منذ انتشار الفيروس تدعم بشدة هذا الاستشراف.

ومع اتفاق الباحث مع هذه الصورة الكلية إلى حد كبير إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا السيناريو يتجاهل أثر ردة الفعل الطبيعية والمتوقعة جراء الأثار السلبية والتحديات التي ولدها انتشار الموجة الولي من الفيروس والتي كشفت عن الكثير من القصور الإنتاجي والخدمي في العديد من الدول، بل والاتحادات الإقليمية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي.

كما يتجاهل السيناريو كذلك ردة فعل الدول النامية والمتوسطة الدخل جراء انعدام العدالة في توزيع اللقاحات، علاوة على توزيع المستلزمات والاحتياجات الطبية، لا سيما في ظل التغيرات المناخية العالمية وآثارها الحادة على هذه الدول، والتي من المتوقع أن تفرض شراكات اقليمية أوسع وأكثر فاعلية مما كانت عليه سابقا، وهو ما يدعم حدوث الصورة الكلية لهذا السيناريو، مع مراعاة اختلاف التفاصيل التي ستتبنى مواجهة السلبيات السابق الإشارة إليها. 

السيناريو الثاني: الانكفاء المحلي وانحسار العولمة

يوجد مسارين للقائلين باحتمالية حدوث هذا السيناريو، أولهما الانكفاء المحلي، وثانيهما

 الأقلمة، ويمكن استعراض الاراء حول ذلك كما يلي:

1- المحلية بدلاً من العولمة:

يرى أصحاب هذا السيناريو، أن الوباء سيؤدي إلى انهيار سلاسل القيمة العالمية حيث تتبنى الحكومات الوطنية سياسات حمائية وتجبر الشركات على نقل مرافق الإنتاج أقرب إلى الوطن لتجنب الاعتماد على الموردين الأجانب. وبذلك فانه من الممكن أن يكون لتفشي فيروس كورونا تأثير سلبي مماثل للأزمة المالية لعام 2008، والتي أثبتت بالفعل أن أزمة حادة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي هيكلي على العولمة[53].

فقبل الأزمة المالية العالمية، ازدهرت العولمة ونمت أنشطة الإنتاج ذات القيمة المضافة بمعدل أعلى بكثير من أنشطة الإنتاج المحلية ذات القيمة المضافة، مما يشير إلى وجود عملية عولمة قوية. ومع ذلك، وبعد الأزمة المالية العالمية، تباطأ نمو المشاركة في سلاسل القيمة العالمية ولم يعد إلى مستويات ما قبل الأزمة.

وتشير الدراسات إلى أنه ما بين عامي 2012 و 2016، انخفضت أنشطة سلاسل القيمة العالمية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما ارتفعت حصة أنشطة الإنتاج المحلي. حيث انخفض المتوسط ​​الاسمي لمعدلات النمو السنوي لأنشطة الإنتاج المعقدة لسلاسل القيمة العالمية انخفاضاً حاداً بلغ (-1.65٪)، وكذلك انخفضت أنشطة الإنتاج البسيطة لسلاسل القيمة العالمية بحوالي(-1.00٪) والتجارة التقليدية بنسبة (-0.28٪). من ناحية أخرى، نمت أنشطة الإنتاج المحلي بمتوسط ​​1،49٪ خلال نفس الفترة[54].

ويعني ذلك أنه من الممكن أن يتسارع التحول المحتمل نحو الإنتاج المحلي، الذي كان جارياً على قدم وساق قبل فيروس كورونا، وكذلك من المرجح أن تتمدد الحواجز المتزايدة أمام حرية حركة السلع والأشخاص ورأس المال التي تدعم العولمة، وبتعبير مختصر من المرجح أن نكون أمام عالم أقل عولمة.

وهذا يعني أن القوى الوطنية والحكومات ستصبح اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، وستظهر الاختلافات بين البلدان، لأنه سيكون لدينا أنواع مختلفة من الحكومات.

إذاً التأثير السلبي البنيوي للفيروس، فضلاً عن الافتقار إلى التنسيق والتعاون الدولي، سيضع حداً لهذه الجولة من العولمة الاقتصادية. وبناء على ذلك يجب أن نتوقع موجة من القومية الاقتصادية والتوطين لتحل محل العولمة. وبينما سينخفض ​​كل من الإنتاج والتجارة بين الأقاليم وداخلها، فإن حصة الأنشطة الاقتصادية المحلية سترتفع.

وبذلك فإنه من المرجح لدى مؤيدي هذا السيناريو أن تكون أنجح البلدان في المستقبل القريب هي تلك التي يمكنها توليد إجماع اجتماعي حول سياسات الاقتصادات الصغيرة المحمية من قبل الأسواق الكبيرة المجاورة مثل الصين أو أوروبا؛ والبلدان ذات الموارد المالية العامة القوية التي يمكن أن تدعم اقتصادها المحلي، مثل سويسرا.

بينما ستخسر الدول المصدرة التي لا تستطيع الاعتماد على الأسواق المحلية، مثل الهند والعديد من الدول الأفريقية. كما قد تواجه الدول المصدرة للنفط مشاكل أيضا بسبب المخاوف المتزايدة بشأن الاستدامة. ستصبح ما يسمى بالسياسات الخضراء عاملاً مميزاً رئيسياً للبلدان، وكذلك الضرائب لتمويل الانتعاش بعد الوباء.

وأخيراً يجيب مناصرو هذا السيناريو على السؤال، هل هذه نهاية العولمة كما نعرفها؟ بأنه ليس تماما. نحن ننتقل إلى نموذج جديد للعولمة يكون أكثر محلية ويركز على الخدمات وأقل استخداما لرأس المال والطاقة المكثفة. وبعبارة مختصرة ستستمر العولمة في عصر Covid-19، لكنها ستبدو مختلفة إلى حد كبير[55].

2- الأقلمة بدلاً من العولمة

أضافت جائحة Covid-19 مزيداً من الوقود إلى النار من خلال تعزيز الاختلاف والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين، مما أدى إلى تسارع التدهور اللولبي للعلاقات الثنائية، ومن هذا المنطلق فانه على عكس المتفائلين باستمرار العولمة، يتوقع المتشائمون الأقلمة بدلاً من العولمة نظراً للنتائج السلبية الهيكلية للوباء على العولمة. متذرعين بضآلة الأمل في التعاون الدولي الفعال في ظل الهيكل الحالي (الفوضى الكامنة) للحوكمة العالمية من ناحية[56].

كما يعتقدون أن Covid-19 سيكون له ضرر هيكلي كبير ومستدام للاقتصاد العالمي من ناحية أخرى، وعلى سبيل المثال، فانه وفقاً لاستطلاع حديث أجرته رويترز، يتوقع ما يقرب من نصف الاقتصاديين انتعاشاً على شكل حرف U، أكثر من أي خيار آخر مثل التعافي على شكل V أو على شكل L، ويشير بولسون إلى أنه “من المتوقع مستقبلاً أن ينتمي العالم إلى القوميين التقنيين” بسبب “تركيز بكين على التوطين وتأكيد واشنطن على نقل سلاسل التوريد وعزل التكنولوجيا”[57].

وبهذا فان سيناريو الأقلمة يشير إلى أنه سيكون للوباء تأثير أكبر على سلاسل القيمة الأقليمية المعقدة وتأثير أقل على سلاسل القيمة داخل المنطقة، وبذلك فلن يؤدي تفشي فيروس كورونا إلى نهاية العولمة الاقتصادية، بل سيؤدي إلى عملية إقليمية قوية.

يرى ليجرين، بأن Covid-19 يمكن أن يمثل نقطة التحول التي تدفع الشركات إلى إعادة هيكلة وتقصير سلاسل التوريد الخاصة بها، “مع نقل الشركات الأمريكية الإنتاج إلى المكسيك والشركات الأوروبية إلى أوروبا الشرقية أو تركيا” [58].

يمكن القول إن عملية الهيكلة الإقليمية قد بدأت بالفعل قبل انتشار الوباء، حيث شهد العقدان الماضيان ارتفاعاً حاداً في اتفاقيات التجارة الإقليمية الجديدة. وأبرز الأمثلة على ذلك أنه في العام الماضي تبنت الولايات المتحدة والمكسيك وكندا صفقة تجارية – ما يسمى باتفاقية USMCA، وهو ما يرجح أنه يمكن للوباء أن يحفز عملية إضفاء الطابع الإقليمي على التجارة.

وفي أوروبا، قد يؤدي تفشي فيروس كورونا إلى تعزيز سعي الاتحاد الأوروبي إلى الاستقلال الاستراتيجي والسيادة الاقتصادية. فلقد وجدت هذه المفاهيم مؤخراً جاذبية في بروكسل، حيث يحاول الاتحاد الأوروبي تقليل اعتماده على دول خارجه، لا سيما في القطاعات الحيوية للصحة العامة والأمن والنظام العام)[59](.

بذلك فإنه من الممكن أن يؤدي الوباء إلى زيادة تعزيز طموح الاتحاد الأوروبي للسيادة الاقتصادية، ويؤكد ذاك الاتجاه تعليق رئيسة المفوضية الأوروبية” كما هو الحال في أي أزمة، عندما تكون أصولنا الصناعية والشركات تحت الضغط، نحتاج إلى حماية أمننا وسيادتنا الاقتصادية”[60].

عموماً كلا الاتجاهين داخل هذا السيناريو متوقع إلى حد كبير، وقد يكون الاختلاف حول النسبة المئوية للتوجه نحو الداخل أو نحو الاقليم، وحول الفترة الزمنية اللازمة لاحداث مثل هذه التغيرات، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات المحلية والاقليمية والعالمية المتسارعة والتي قد تزيد من سرعتها أو تعوق مسيرتها.

وبذلك فان التأكيد على أن تداعيات فيروس كورونا ستعمل على خلق درجة ما من النزعة المحلية والاقليمية أمر قد لا يجد اختلافا كبيراً، بينما تبقي الدرجة والفترة، وبعدهما ظروف كل دولة أو إقليم، علاوة على تدخلات القوي الكبرى وفرض التحالفات، وكلها عوامل ستبقي شديدة التأثير وتقع خارج نطاق التوقع الممكن.

ويمكن القول إنه من وجهة نظر الباحث أن الاقلمة او المحلية كسيناريو يستشرفه البعض وترجحه سياقات واقعية، ربما بدأت إرهاصات بعضها في الحدوث، هو سيناريو يأتي كجزء من تلك التفاصيل التي تبناها السيناريو الاول، و هي المتغيرات التي تتباين بحسب الزمان والمكان، والظروف التفاعلية عي المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية، ولكن ليس من المرجح أن يصبح سيناريو قائما بذاته.

السيناريو الثالث: تباطؤ العولمة ومحدوديتها

توجد فئة من الوسطيين في مساحة وسط بشأن توقعاته للعولمة فيما بعد تأثيرات كورونا، حيث يرون أنه سوف يتعافى الاقتصاد العالمي على أي حال، ولكن ليس بالسرعة التي يتوقعها المتفائلون، وأن حجم الأضرار لن يكون حسب توقعات المتشائمين.

وهم يقارنون أزمة Covid-19 الحالية بالأزمة المالية العالمية لعام 2008، حيث تسببتا في تقلبات غير عادية في الأسواق المالية وتسبب في تداعيات اقتصادية بعيدة المدى. وانطلاقا من ذلك يقولون أن Covid-19 لن يقتل العولمة، لكن العولمة ستتباطأ بعد كل شيء.

 وقد تمت صياغة العديد من المصطلحات لوصف هذه الصورة، فعلى سبيل المثال، يقترح زينج  أن “العولمة الاقتصادية لن تنحسر فحسب، بل ستعود إلى “العولمة المحدودة”، على غرار ما كان قبل الثمانينيات”[61]. كما صاغ باكاس مصطلح “تباطؤ التوازن” لوصف تعثر العولمة في السنوات القليلة الماضية[62].

وبذلك فإن الوضع الطبيعي الجديد للعولمة الاقتصادية سيكون له معنيان جوهريان، أولهما، استمرار تكامل الاقتصاد العالمي ولكن بوتيرة أبطأ بكثير، وثانيهما، تباطؤ التوازن إلى روابط أعمق داخل الكتل الإقليمية”[63].

ونظراً لأن Covid-19 كشف عن مخاطر الاعتماد على أي دولة واحدة للحصول على المدخلات المطلوبة أو المنتجات النهائية، فمن المهم أن تقوم البلدان بإضفاء الطابع الإقليمي على سلاسل التوريد والشركات الخاصة بها لتنويع شركائها التجاريين في مواجهة فترة طويلة من تباطؤ النمو الاقتصادي. باختصار، لن يضع Covid-19 حداً للعولمة الاقتصادية ؛ بدلاً من ذلك، ستعمل على تعزيز أشكال أخرى من التكامل الاقتصادي مثل الأقلمة.

يعاب على هذا السيناريو فقط عدم تفصيل مناصروه للدرجة التي يمكن أن تجنح بها الدول نحو الانكفاء على الذات أو نحو التوجه الإقليمي، واقتصاره على مصطلحات فضفاضة تتعلق بتاطؤ العولمة وانحسارها ومحدوديتها، وكلها أمور متوقعة ومقبولة بدرجة أو بأخري، ولكن كان من الواجب أن تتوقع بشكل أفضل النسب المئوية المرجحة لذلك السيناريو.

عموما ومن خلال دراسة السيناريوهات السابقة يمكننا استخلاص ما يلي:

  • على الرغم من أن جميع التحليلات المذكورة للسيناريوهات المختلفة تبدو معقولة بشكل أو بأخر، من الواجب الاعتراف أنه من الصعب حالياً استخلاص أية نتيجة مؤكدة أو توقع دقيق في خضم حدث لا يزال في طور التكشف، لا سيما أن المستقبل بلا شك يتأثر بالعديد من العوامل غير المؤكدة.
  • يتوجب الاعتراف كذلك بحقيقة أنه لا يمكن إجراء دراسة دقيقة حول التطورات الأخيرة والتي سببتها تداعيات انتشار فيروس كورونا، بسبب نقص البيانات الكاملة، و مرور الفترة الزمنية الملائمة، ولذلك فان التكهنات يجب أن تتخذ شكل العناوين العريضة غير المؤكدة التفاصيل، ولكنها معقولة ومقبولة الاتجاه في إطار السيناريوهات.
  • على سبيل المثال من المعقول التكهن بأن التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين وفيروس Covid-19 سيجعل شبكات الإنتاج والتجارة أكثر إقليمية وأقل عالمية، لا سيما في ظل استمرار ارتفاع الأهمية النسبية لأنشطة الإنتاج المحلية والإقليمية في العقد الماضي.
  • ومن المعقول كذلك القول بأن حرب الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين ووباء Covid-19 حذروا من مغبة ومخاطر الاعتماد على أي دولة واحدة للحصول على المدخلات المطلوبة أو المنتجات النهائية، مما يمهد للطابع الإقليمي أو توطين سلاسل التوريد والشركات الخاصة.
  • كذلك فإن هناك مؤسسات وكيانات ومصالح عالمية ستقاوم بشدة أي تقليص لمكتسباتها العولمية الحالية، ومن المتوقع أن تعرقل أي نشاط يهدد هذه المكتسبات، إلا إذا اعتبرت الإقليمية تشكل عولمي تكتيكي جديد على نطاق أضيق، حتى تمر مرحلة اللايقين الحالية.
  • بناء على الطرح الوارد في النقاط أعلاه فإن السيناريوهين الأول والثاني بهما الكثير من المعقولية والقبول، وأن القول بأيهما لا يعني عدم حدوث بعض من الآخر، بل ربما الأقرب أن يكون هناك تجاذبا تفرضه الظروف المحلية والإقليمية والدولية على كل توجه للدولة أو لمجموعة دول، وأن هذا التجاذب هو الذي يفرض الدرجة النسبية لتحققه، وسرعة هذا التحقق.
  • وما سبق يعني بالطبع أن سيناريو الوسط (السيناريو الثالث) يبدو معقولا أيضا، إلا أنه افتقر فقط إلى العمق الواجب والكافي للترجيح العام بين نقاط الاختلاف الكبرى بين السيناريوهين الأولين.
  • حتى السيناريو الأول القائل ببقاء العولمة فتح باباً ولو صغيراً لتغير نسبي تكتيكي مرجحا من وجهة نظر مناصريه، وما يجب التأكيد عليه أن مبدأ المرونة النسبية هو الحاكم الاساس لامكان تحقق أي من السيناريوهين من حيث الدرجة النسبية والفترة الزمنية.
  • حتى الآن أبدت العولمة بشكلها الحالي ترابطا كبيرا، ومقاومة كبيرة في مواجهة تداعيات الفيروس، بما يرجح السيناريو الاول، ولكن من الواضح أن هناك توجها نحو التغيير، والذي ربما يكمن في التفاصيل، وربما كذلك تتسارع بعض مكوناته وتتباطأ بعضها الآخر، وفقا للمعطيات والظروف والمقاومات والمحفزات التي تتجاذبها الدول والتكتلات.

الخلاصة

نظراً لأن العالم متصل بالفعل، فإن معظم الناس لا يلاحظون العولمة، لكن العالم أصبح أصغر بالفعل، وتحتاج الشركات إليها حتى لا تفقد الميزة التنافسية في الأسواق العالمية، وقد حاولت الورقة استعراض الفوائد والمزايا التي حصلها النشاط الاقتصادي العالمي جراء العولمة، وكيف تزايدت الرفاهية وتقلص الفقر بصورة كبيرة في الكثير من بلدان العالم.

كما تطرقت الدراسة إلى التحديات التقليدية التي واجهت العولمة قبل انتشار فيروس كورونا وكيف تراكمت هذه التحديات مهددة بانحسارها، ثم تطرقت الدراسة إلى التحديات المستجدة للعولمة بعد انتشار كوفيد 19، وكيف رسخت هذه التحديات التفكير حول مستقبل العولمة ما بعد كورونا.

واستعرض المبحث الأخير عدد من السيناريوهات، سواء التي تقول باستمرار العولمة على حالها، مع بعض التغيرات التكتيكية، أو ذلك السيناريو الذي يقول بانحسار وتباطؤ العولمة، ونمو المحلية والأقلمة على أنقاضها، حتى لو لم تتلاشي كليا.

واخيرا استعرض السيناريو الأخير الصورة الوسطية والتي تقول بنمو محدود للمحلية والاقليمية وانحسار محدود كذلك للعولمة، وقد حاولت الدراسة الترجيح بين هذه السيناريوهات في ضوء المعلومات المبدئية المتاحة.

النتائج:

في ضوء التداعيات والتحديات والتغيرات التي فرضها انتشار فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، وإضافته للمزيد من التهديدات للعولمة الاقتصادية، والتباين في وجهات نظر الاستشرافيين حول مستقبلها، وبروز بعض السيناريوهات التي تحاول استشراف هذا المستقبل، فإنه باستقراء هذه السيناريوهات يمكن التوصل إلى النتائج التالية:

  • صعوبة استخلاص أية نتائج مؤكدة حول استشراف مستقبل العولمة.
  • قصر المدة الزمنية غيب البيانات اللازمة للاستشراف الموثوق، ولذلك كان الاعتماد على السيناريوهات ذات العبارات الفضفاضة.
  • رجح البحث السيناريو الاول القائل ببقاء العولمة على حالها مع حدوث بعض التغييرات التي تبدو تكتيكية إلى حد كبير، مع ترجيحه أن يكون السيناريو الثاني القائل بالتحول نحو المحلية أو الأقلمة هو أحد أشكال هذه التكتيكات.
  • تماسكت العولمة حتى الآن بالرغم من كل هذه التحديات، وما رجح من تغييرات قد يتسارع أو يتباطئ طبقا للمعطيات والظروف والتدافعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

التوصيات:

لا تزال تداعيات فيروس كورونا على النشاط الاقتصادي العالمي في مهدها، وهو الأمر الذي يزكي التوصيات التالية:

  • استمرار البحث والدراسة حول تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، لا سيما ما يتعلق بالعولمة الاقتصادية ومستقبلها وسيناريوهات هذا المسار.
  • تشكيل فرق بحثية متخصصة لبناء مخططات اقتصادية لمواجهة السيناريوهات المتوقعة على الدول العربية والإسلامية، لا سيما السلبيات والتحديات التي قد تفرضها المراحل القادمة، وبما يكمش هذه الخسائر والتحديات إلى حدودها الدنيا.

الهامش

[1] Globalization Benefits and Challenges: velocity global, March 30, 2020, link

[2] Youmatter: Globalization: Definition, Benefits, Effects, Examples – What is Globalization?6thOctober 2020? link

[3] : Knut Erik Bang and Tore Markeset Impact of Globalization on Model of Competition and Companies’ Competitive Situation, University of Stavanger, N-4036 Stavanger, Norway,p276.

[4] Globalization Partner : Benefits and Challenges of Globalization , 06 February 2020.

[5] Saeed Samiee: Global marketing effectiveness via alliances and electronic commerce in business-to-business markets, Industrial Marketing Management 37 (2008) 3–8.

[6] ,etc. Globalization Partner: Benefits and Challenges of Globalization

[7] الهند تقود العالم في قطاع التكنولوجيا: صحيفة الدستور، الأحد 26 أيار / مايو 2019.

[8] U.S.NEWS, 18 MAY2021  David Moschella: Is India the Next Great U.S. Dependency?

[9] : Jeffrey James Globalization, Preference Change and Consumer Welfare in Developing Countries ,.spring link.

[10] ( Brian Burgoon : Globalization and Welfare Compensation: Disentangling the Ties That Bind, International Organization Vol. 55, No. 3 (Summer, 2001), pp. 509-551 (43 pages) Published By The MIT Press Globalization

[11] مدونات البنك الدولي: التقديرات المحدَّثة لتأثير جائحة كورونا على الفقر في العالم: النظر إلى عام 2020 والتطلع إلى آفاق 2021، 11/1/2021

[12] نفس المرجع السابق.

[13] World Economic Outlook Cyclical Upswing, Structural Change, April 2018.

[14] April 9, 2018 . IMF says globalization intensified diffusion of knowledge, Business Standard

[15] How Does Globalization Impact Comparative Advantage?

[16] Capital Market Liberalization and Development,: José Antonio Ocampo and Joseph E. Stiglitz

Oxford Scholarship Online,2008.

[17] Ian Goldin: Why we need global solutions to globalization’s problems ,World Economic Forum, 27 Nov 2014.

[18] Haroon Boharat, Paul Lundall : Employment and the labor market effects of globalization :selected issues for policy management, ILO, Employment Strategy Papers, 3/2004.

[19] What are the Benefits and Challenges of Globalization? Omnipresent Team, June 8, 2021

[20] Robert E. Scott: The high price of ‘free’ trade NAFTA’s failure has cost the United States jobs across the nation, Economic Policy Institute, November 17,2003 .  

[21] نفس المرجع السابق.

[22] BBC NEWS , 1 February 2017 ( Will globalization take away your job? ,

[23] Megan Nichols: GLOBALIZATION AND ITS ENVIRONMENTAL IMPACT , SCIENCE CONNECTED Magazine, JULY 9, 2021

[24] Globalization – Benefits and Drawbacks: STUDY NOTES, Business

[25] : Frederik van Til

 THREE SCENARIOS FOR GLOBALISATION IN A POST-COVID-19 WORLD, CLINGENDAEL SPECTATOR, 01 APR 2020 

[26] World Trade Organisation (WTO), ‘Overview of developments in the international trading environment, Mid October 1018 to mid-October 2019’, 29 November 2019.

[27] David Shepardson and Karen Freifeld, ‘China’s Huawei, 70 affiliates placed on U.S. trade blacklist’, Reuters, 16 May 2019.

[28] Birla KM. World is not flat; slowbalization will define the decade. Business Standard. [cited 2020 May 17]. Available at: https://www.business-standard.com/article/companies/world-is-not-flat-slowbalisation-will-define-the-decade-says-k-m-birla-120011401406_1.html.

[29] Sanni Yaya, Akaninyene Otu & Ronald Labonté : Globalization in the time of COVID-19: repositioning Africa to meet the immediate and remote challenge, Globalization and Health volume 16, Article number: 51 (2020).

[30] ARJUN APPADURAI : Coronavirus Won’t Kill Globalization. But It Will Look Different After the Pandemic, TIME,  MAY 19, 2020.

[31] نفس المرجع السابق.

[32] Manuj, I., and Mentzer, J. T. (2008). Global supply chain risk management. J. Business Logistics 29, 133–155. doi: 10.1002/j.2158-1592.2008.tb00072.x

[33] Bozarth, C. B., and Handfield, R. B. (2016). Introduction to Operations and Supply Chain Management, Global Edition, 4th Edn. London: Pearson Education Limited, p.347f.

[34] Rao, S., and Goldsby, T. J. (2009). Supply chain risks: a review and typology. Int. J. Logistics Manage. 20, 97–123 doi: 10.1108/09574090910954864, p. 98.

[35] Mazareanu, E. (2020, September 10). Coronavirus: impact on the transportation and logistics industry worldwide. Statista. Available online at: https://www.statista.com/topics/6350/coronavirus-impact-on-the-transportation-and-logistics-industry-worldwide/ (accessed September 25, 2020).

[36] Calnan, M., Gadsby, E. W., Kondé, M. K., Diallo, A., and Rossman, J. S. (2018). The response to and impact of the ebola epidemic: towards an agenda for interdisciplinary research. Int. J. Health Policy Manage. 7, 402–411. doi: 10.15171/ijhpm.2017.104

[37] Chou, J., Kuo, N.-F., and Peng, S.-L. (2004). Potential Impacts of the SARS outbreak on Taiwan’s economy. Asian Econ. Papers 3, 84–99. doi: 10.1162/1535351041747969.

[38] Sean Harapko: How COVID-19 impacted supply chains and what comes next: 18 Feb2021  

[39] Knut Alicke, Xavier Azcue, and Edward Barriball: Supply-chain recovery in coronavirus times—plan for now and the future: 18Marsh,2020  

[40] لمزيد من التفاصيل من الممكن مراجعة:

أحمد ذكر الله: أزمة الرقائق الإلكترونية وصناعة السيارات، العربي الجديد، إبربل 2021

أحمد ذكرالله: أزمة الرقائق الإلكترونية.. هل هي فرصة لتركيا؟ تي آر تي العربية، مايو 2021.

[41] , Weizhen Tan: An ‘aggressive’ fight over containers is causing shipping costs to rocket by

 300% ,CNBC JAN 24 2021

[42] International Monetary Fund: Tackling Tax Havens FINANCE & DEVELOPMENT, SEPTEMBER 2019, VOL. 56, NO. 3

[43] Cobham, Alex, and Petr Janský. 2017. “Measuring Misalignment: The Location of US Multinationals’ Economic Activity versus the Location of their Profits.” Development Policy Review 37 (1): 91–110.

[44] Zucman, Gabriel. 2017. “How Corporations and the Wealthy Evade Taxes.” New York Times, November 10.

[45] Mark Bou Mansour: Tax haven ranking shows countries setting global tax rules do most to help firms bend them, tax Justice Network,9/3/2021.

[46] : United nations: Unequal Vaccine Distribution Self-Defeating, World Health Organization Chief Tells Economic and Social Council’s Special Ministerial Meeting, 16 APRIL 2021

[47] نفس المرجع السابق.

[48] The New York Times ; ( if

 Poor Countries Go Unvaccinated, a Study Says, Rich Ones Will Pay,23/1/2021

[49] نفس المرجع السابق.

[50] Fukuyama, Francis ,The Pandemic and Political Order, It Takes a State, Foreign Affairs July/August 2020.

[51] Rodrik, Dani (2020), Will COVID-19 Remake the World? Project Syndicate, 6April,2020.

[52] September 2020 COVID has decelerated globalization, but not ended ,: IMD

[53] Xin Li, Bo Meng & Zhi Wang, ‘Recent patterns of global production and GVC participation’, World Trade Organisation, 2019.

[54] نفس المرجع السابق.

[55] September 2020 COVID has decelerated globalization, but not ended ,: IMD

[56] Patrick, Stewart. 2020. When the system fails: COVID-19 and the costs of global dysfunction. Foreign Affairs 99 (4): 40–50.

[57] Paulson, Henry. 2020. Save globalization to secure the future. Financial Times, April 17. Retrieved from https://www.ft.com/content/da1f38dc-7fbc-11ea-b0fb-13524ae1056b. Accessed 7 September 2020.

[58] Philippe Legrain, ‘The Coronavirus is Killing Globalisation as We Know It’,12 March 2020.

[59] : Frederik van Til  THREE SCENARIOS FOR GLOBALISATION IN A POST-COVID-19 WORLD, etc.

[60]Statement of European Commission President Ursula von der Leyen, ‘Coronavirus: Commission issues guidelines to protect critical European assets and technology in current crisis’, 25 March 2020.

[61] Zheng, Yongnian. 2020. Limited globalization after the pandemic. Institute of Public Policy, South China University of Technology, April 17. Retrieved from http://www.ipp.org.cn/index.php/home/blog/single/id/561.html. Accessed 7 September 2020.

[62] The Economist. 2019. Globalization has faltered. January 24. Retrieved from https://www.economist.com/briefing/2019/01/24/globalisation-has-faltered. Accessed 7 September 2020.

[63] The Economist. 2020. Has covid-19 killed globalization? May 14. Retrieved from https://www.economist.com/leaders/2020/05/14/has-covid-19-killed-globalisation. Accessed 7 September 2020.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close