fbpx
دراساتالشرق الأوسط

الصين والشرق الأوسط: استراتيجية حقيقة أم مزاحمة تكتيكية؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

الصين

أثارت زيارة مستشار الدولة الصينية ووزير الخارجية وانغ يي إلى منطقة الشرق الأوسط، في شهر مارس/آذار 2021 والتي شملت كل من إيران والسعودية وتركيا، كثيراً من الاهتمام على المستوى الدولي وعلى المستوى الإقليمي. ولعلّ أكثر هذا الاهتمام انصب على الاتفاقية التي وقّعها الجانب الصيني مع الجانب الإيراني والمسماة بـ “اتفاقية  الشراكة الاستراتيجية”؛ فرغم أنّ نص الاتفاقية لم يُعلَن عنه بعد، إلاّ أنّه يُعتقد أنّها تتناول عشرات المجالات، أهمها الطاقة، والبنية التحتيّة، والتعاون الاقتصادي والمالي، والتكنولوجيا المتقدمة؛ وقد زعمت وسائل الإعلام الغربيّة أنّ قيمتها تزيد على أربعمائة مليار دولار في مدة خمس وعشرين عاماً، استناداً إلى مسودة نسخة من الاتفاقيّة باللغة الفارسية تمّ تسريبها إلى وسائل الإعلام، قبل سنتين تقريباً.

على الصعيد العربي، هناك قلق من أن تحوِّل الاتفاقية إيران إلى قوة أكثر طموحاً وتدخّلاً في شؤون المنطقة العربية وبالذات في الخليج، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع انفراجة في العلاقات الإيرانيّة مع الولايات المتحدة ورفع العقوبات الأمريكية عنها، ما يعني أنّ إيران حينها، تكون قد تخلّصت من القيود الاقتصادية التي كانت تُكبّل طموحاتها، وأنّ الشريك الأمريكي التقليدي لما يُسمّى بـ “دول الاعتدال العربي”، وخصوصاً دول الخليج، آخذ بالانسحاب من المنطقة تاركاً هذه الدول مكشوفة الظهر-من وجهة النظر العربية- أمام إيران، ما يستدعى أن تفكّر هذه الدول مليّاً في كيفيّة مواجهة مخاطر المرحلة القادمة، وأن تعيد النظر في خارطة التحالفات والتموضعات، إن لزم الأمر.

أمّا على الصعيد الدولي، فقد نظرت الولايات المتحدة بكثير من القلق إلى الاتفاقية، ففي الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأمريكية اغلاق الملفات الفرعيّة، ومنها الملف الإيراني، بغية التفرّغ للملف الصيني، والذي باتت تعتبره تهديداً للسيادة الأمريكية والغربية، تجد أنّ الصين تحقق اختراقات كبيرة على الصعيد الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وتصعّب المهمة الأمريكية.

وترى واشنطن أنّ المخططات الصينية تعني أنّ طهران لن تبقى رهينة للموقف الأمريكي، بل ستشكل عملياً نهاية القدرة الفعلّية الأمريكيّة على فرض حصار وعقوبات اقتصادية على إيران، فمشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينيّة ستتيح لإيران أن تتواصل بريّاً -من خلال باكستان- مع الصين، وتصدّر ما تشاء من غاز ونفط وكل ما تريد، بعيداً عن عين الرقيب الدولي، في بيئة أكثر أمناً بكثير من المياه المفتوحة، وستتيح الشراكة المالية والاقتصادية بين إيران والصين، بوابةً غير مباشرة لإيران على الاقتصاد العالمي من خلال المصارف والشركات الصينيّة، وسيعني أيضاً أنّها يمكن أن تبيع بضائعها وتستورد ما تشاء تحت العنوان الصيني، والأخطر من ذلك أنّ التعاملات ستجري بالعملة المحليّة، وهو ما يتوقع أن يكون له أثر خطير على سيادة الدولار في التعاملات التجارية الدولية.

تحاول هذه الورقة من خلال استقراء المواقف الصينية والإيرانية والعربية، فهم التحوّلات الجارية بعلاقة الصين مع المنطقة، واستشراف الدور الصيني المقبل فيها، وكيفية تعاطي الدول العربية مع مستقبل يمكن أن ينحسر فيه النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية، وينمو فيه كل من النفوذ الصيني والإيراني، وذلك من خلال محاولة الإجابة على الأسئلة التالية:

  1. هل هناك تحول إيجابي حقيقي في السياسة الخارجية الصينية تجاه المنطقة، وما هي مظاهر ذلك؟
  2. كيف ستؤثر العلاقات العربية الصينية النامية، على علاقات الدول العربية مع دول الإقليم والقوى الدولية الكبرى؟
  3. هل شكّل توقيع الصين اتفاقية مع إيران تحولّاً حقيقياً في العلاقات بينهما، وما هي مظاهر ذلك؟
  4. كيف ستتعامل الصين مع التناقضات السائدة في المنطقة؟
  5. هل ستتحول المنطقة إلى منطقة تنازع بين الصين والولايات المتحدة وما هو الموقف العربي من ذلك؟

تناول هذه الأسئلة الكبرى ومحاولة الإجابة عليها، يكتنفه مجموعة من الصعوبات، من أهمها أن الاتفاقية الصينية الإيرانية لم يُعلن عنها بشكل رسمي، وبالتالي من الصعب التنبؤ بدقة بماهية الاتفاقية والبناء على ذلك، كما أن المواقف العربية ما زالت في طور التحوّل وخصوصاً الموقف السعودي، وهو ما سيشكل عاملاً متغيراً وهاماً في نفس الوقت.

أولاً: الصين والشرق الأوسط.. سياسة جديدة

طرحت تصريحات وزير خارجية جمهورية الصين الشعبية وانغ يي، خلال زيارته للمنطقة تساؤلات حول جديّة الصين في لعب هذا الدور، وعن الأسباب التي قد تجعلها تولي الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية خصوصًا اهتمامًا أكبر، وطرحت تساؤلات أيضًا عن انعكاسات هذا التطوّر على الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة.[1]

يمكن ملاحظة أنّ اهتمام جمهورية الصين الشعبية بالشرق الأوسط قد ازداد بحلول ثمانينيات القرن الماضي كقوة منافسة للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وقد سبق ذلك سعيها إلى دعم جهودها الرامية إلى اكتساب اعتراف دولي أكبر بها، على حساب غريمتها جمهورية الصين الوطنية (تايوان) وفي عام 1956 أصبحت مصر وسوريا أول بلدين في المنطقة يقيمان علاقات دبلوماسية مع الصين، وتخلت إيران والكويت ولبنان عن تايوان لتعترف بجمهورية الصين الشعبية في عام 1971 وتبعتها الأردن وليبيا وعمان، لكن رغم ذلك ظل هذا الاهتمام محدودا.[2]

وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط الغنية بمصادر الطاقة منطقة حساسة بالنسبة للصين، إذ تعتبر مسألة الطاقة والنفط من الأمور الإستراتيجية التي تسعى الصين إلى الحصول عليها من خلال الشرق الأوسط سعيًا منها لاستكمال وتحقيق عملية التحديث الداخلي لها، بعد أن أصبحت ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث قدرت وارداتها النفطية عام 2004 بنحو 1,3 مليار طن نصفها من الشرق الأوسط، فيما بذلت جهودًا كبيرة لتنويع وارداتها النفطية، لكن الشرق الأوسط يبقى المنطقة الأولى لتوفيرها في المستقبل. [3]

وفي حين تظل الولايات المتحدة أهم شريك أمني للسعودية، فإنّ الأخيرة تعد أيضًا أبرز مصدر مورد للنفط إلى الصين، وشريكًا اقتصاديًا تتزايد أهميته، خاصة وأنّ احتياطات بكين من النفط لن تدوم أكثر من 20 عامًا إذا استمر الإنتاج بمعدله الحالي حسب التقديرات، ومن هنا ليس أمام الصين إلا أحد خيارين إذا أرادت حل معضلة الطاقة، إما بالتوسع في استخدام الفحم مع أضراره المدمرة للبيئة، أو الاتجاه نحو تدعيم علاقاتها بدول الشرق الأوسط والحصول على نصيب من إنتاجها الذي يبلغ نصف الإنتاج العالمي وثلثي احتياطه.[4]

وفضلًا عن ذلك، تتطلع بلدان الشرق الأوسط على نحو متزايد إلى بكين في مجال التجارة والاستثمارات والاستشارات الدبلوماسية وحتى التعاون الأمني؛ يساعد على ذلك الصورة التي رسمتها الصين لنفسها كقوة محايدة هدفها تنميّة مجتمعها وإقامة علاقات متكافئة مبنية على الاحترام والمنفعة المتبادلة وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وبذلك نجحت بجدارة بالحفاظ على علاقات جيدة مع بلدان المنطقة، بما في ذلك إيران والسعودية وإسرائيل بالرغم من العداوة بين هذه الدول.[5]

ويتضح ذلك من خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني التي شملت ست دول في الشرق الأوسط، والتي  أعلن الوزير خلالها عن تحقيق الأهداف المتوقعة والمتمثلة في تعزيز التعاون مع دول المنطقة وتقديم مساهمة الصين في إحلال السلام بالمنطقة، والاتفاق على معارضة التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، وحماية النظام الدولي ونواته الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، وتعددية الأطراف، والإنصاف والعدالة الدوليين، وبحسب الصين تعهدت الدول برفع مستوى تعاونها العملي في إطار مبادرة الحزام والطريق.[6]

وتُعدّ المبادرة التي أطلقها الرئيس الصيني “شي جينبيغ”، عام 2013م، أهم رافعة للمصالح الخارجية الصينية ومدار كثير من سياساتها الخارجية، وواحدة من أهم الخطط التنموية والاستراتيجية في تاريخ البشرية، وأكثرها كلفة وتعقيداً، وتحاول الصين من خلالها تحسين وضعها الجيوستراتيجي، وبناء الثقة إقليميًّا مع دول الجوار، وعالميًّا مع القوى الكبرى، لكنها في نفس الوقت تواجه الكثير التحديات، من أبرزها المشاكل الحدوديّة، سواء البرية أو البحرية، والتي تصل أحياناً إلى حد الأزمات والنزاعات، كما هو الحال مع الهند برًّا أو في بحري الصين الشرقي والجنوبي، وهو الأمر الذي تستغله الولايات المتحدة للحد من النفوذ الصيني.[7]

أسّست الصين رؤيتها للمشروع، التي تهدف من خلاله لتغيّر وجه آسيا، على مشروع قديم عمره يزيد عن ألفي سنة، وهو “طريق الحرير”، الذي كان يمتد من الصين عبر آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط ومن هناك يمتد بحراً إلى أوروبا التي كانت تستقبل البضائع الآسيوية، من البهارات والخزف والحرير الصيني، فأوجدت الصين في مبادرتها حلولاً لمشاكل مزمنة عانت منها خلال عقود، ومنها تمكين الولايات الداخلية وتسهيل انخراطها في الاقتصاد العالمي، وربط وتعزيز انتماء للولايات الحدودية للمركز ورفع السويّة الاقتصادية، وخصوصاً شنج يانغ (تركستان الشرقية سابقاً) والتبت، والتي تتنامى فيها نزعات انفصالية أخذت شكلاً مسلّحاً في بعض الأحيان.

في عام 2015م أعلنت الحكومة الصينية ورقة “الرؤية والمبادئ”، التي تضمنت الخطوط العريضة للمبادرة، ودعت دول آسيا والعالم إلى الانضمام إليها، التي تشير إلى أن الممرات الاقتصادية التي تم تبنيها هي ستة، يمر أو ينتهي نصفها على ضفاف المتوسط، عبر الشرق الأوسط والبلدان العربية، وهذا ما يجعل الصين تولي المنطقة عناية كبيرة في خطة العلاقات العامة التي تمارسها لإقناع العالم بالمبادرة.[8]

كما يُعد الشرق الأوسط سوقاً اقتصادياً كبيراً لتصريف المنتجات الصينية، وتزداد أهميته لأنّه يوفر لها منبرًا لتطوير دبلوماسية متعدّدة الأطراف، وتقديم الصين نفسها للعالم كقوة تتسم بالمسؤولية والانضباط، ومن خلال التعامل مع العديد من النقاط الساخنة مثل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وفي شكل أعم الصراع العربي الإسرائيلي، والمسألة النووية الإيرانية وغيرها، وهذه ليست مسائل إقليمية وحسب وإنما عالمية أيضا.[9]

ولعل من أهم ما تقيس الصين به نفوذها في الشرق الأوسط ووجودها فيه بشكل أساسي، هو قدرتها على تأمين إمدادات الطاقة، والعلاقات والمنافع التجارية، وتشعر بالارتياح مع سياستها الراهنة المتمثّلة في تجنب الانخراط السياسي في الخلافات العديدة في المنطقة، ويتم فوراً رفض أي تصريحات منفصلة صينية شاذة تتعارض مع هذا الموقف العام مثل ادعاء أحد السفراء عام 2018م بأنّ حكومته ستنظر في مساعدة النظام السوري على محاربة الثوار في إدلب.[10]

ثانياً: الانتشار الصيني في المنطقة العربية

تمتلك الصين علاقات متميزة مع كل الدول العربية، ولكن علاقاتها الأكثر أهمية هي مع دول الخليج ومصر، فالأولى تمثّل بامتلاكها النفط والغاز شريان الحياة للاقتصاد الصيني، والأخيرة تستند إلى علاقات تاريخية عميقة تعود إلى مئات السنين، ولأهميتها في حركة عدم الانحياز فضلاً عن أهمية أسواقها وقدرتها على التأثير في المنطقة.

1ـ العلاقات الصينية ـ السعودية:

ركّزت بكّين على رفع مستوى العلاقات مع السعودية، وبدرجة أقل، مع الإمارات ودول الخليج الأخرى[11]، وتكثفت التبادلات الرفيعة المستوى بين الصين والمملكة في السنوات الأخيرة، وحقق التعاون العملي بين البلدين نتائج فيما يتعلق بمبادرة “الحزام والطريق” و”رؤية 2030″ السعودية، وبلغ حجم التبادل التجاري 63.33 مليار دولار في عام 2018، وأصبحت المملكة أكبر شريك تجاري للصين في منطقة غرب آسيا وإفريقيا لـ 18 سنة متتالية.

 كما وضع الجانبان، بشكل مشترك الدفعة الأولى من المشاريع ذات الأولوية للتعاون في الطاقة الإنتاجية والاستثمار بقيمة إجمالية تبلغ 55 مليار دولار، وغيرها من مشاريع الطاقة والبنية التحتية الكبيرة، والتعاون في التكنولوجيا الحديثة حيث أطلقت وحدات التصوير السعودية على متن القمر الاصطناعي الصيني، مما شكل المحاولة الأولى والناجحة للدول العربية في استكشاف القمر.[12]

ويبدو أن هناك سبباً هاماً دفع العلاقة بين الجانبين إلى الأمام، وهو خشية السعودية من الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس جو بايدن، حيث تدرك السعوديّة أنّ بايدن لديه سياسة جديدة مختلفة عن سلفه دونالد ترامب، وربما يذهب إلى رفع الحماية عن ولي العهد السعودي التي وفّرها له ترامب، بالإضافة لإعلانه موقفاً رافضاً لحرب اليمن، ورغبته بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، خصم السعودية ومنافسها، ثمّ أكّد انسحابه المزمع من أفغانستان، والذي يشير إلى تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة خصوصاً مع تراجع حاجتها إلى نفط الخليج.

كل ذلك جعل السعودية تفكّر بالبحث عن قوة عالمية بديلة، توفِّر لها مظلة أمنيّة تركن إليها عند الحاجة، ولذا حاولت تطوير علاقتها بسرعة مع الصين، الأمر الذي ظهر جلياً أثناء زيارة وزير الخارجية الصين وانغ يي الأخيرة، فبكين اليوم هي أكبر شريك تجاري للرياض وشريك أساسي في رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المعروفة بـ “2030”، وهي أيضاً الجهة التي تعمل مع السعودية منذ عام 2018م على إنشاء محطة نووية ترغب السعودية في استخدامها لتعديل ميزان القوى المختل لمصلحة إيران[13]، وهي مستعدة لتزويد الرياض والإمارات بتقنية صواريخ متطورة، ولا يبدو أنّ علاقاتها ومصالحها الكبيرة مع إيران، تمنعها من ذلك.

تحاول السعودية اليوم، أن تلعب لعبة توازن بين الولايات المتحدة والصين، على الأقل ريثما تتضح الأمور فيما يخص علاقتها مع إدارة بايدن والمواجهة المرتقبة بين أمريكا والصين، ولذا فهي وإن كانت تحاول التقرب من الصين إلاّ أنّها لا تريد خسارة الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أنّها تعتقد أنّ علاقة مميزة مع تل أبيب حليف الولايات المتحدة الأوثق يمكن أن يضمن موقفاً أمريكيّاً مسانداً لها يحافظ على مصالحها، كما تضمن لها العلاقة مع “إسرائيل” شريكاً في العداوة مع إيران، يمكن التعاون معه لإضعافها.

وحتى لو قررت الرياض الذهاب إلى مصالحة مع طهران، فإنّ بكين بما لها من مصالح تعد بمئات المليارات من الدولارات مع إيران مستفيدة، وستكون راغبة باستمرار الاستقرار في المنطقة وعدم حصول  أي مواجهة تعرقل خططها لمبادرة الحزام والطريق، تلك المصالحة ربما تدفع الصين إلى الضغط على إيران، لمنعها من تنفيذ أية مشاريع تثير استفزاز السعودية، وربما تكون جسر للمصالحة بين البلدين، الأمر الذي تحاول بكين اليوم تسويقه باعتبارها وسيط مرحَّب به بين دول المنطقة لحل الأزمات، لعلاقتها الطيبة مع الجميع.

2ـ الصين وملفات المنطقة:

الصين تهتم بالدرجة الأساسية في الشرق الأوسط، وتأمين الاستقرار بحيث تستطيع تنفيذ مشاريع البنية التحية والموانئ والاتصالات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، وتنفيذها ضمن جدولها الزمني دون مشاكل قدر الإمكان، وهي مستعدة لتقديم كل مساعدة ممكنة إلى الأنظمة في المنطقة لضمان ذلك، سواء الدعم العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، كما فعلت مع ميانمار وسوريا، فهي زادت الدعم العسكري للنظام السوري وقدمت الحماية له في مجلس الأمن بالتعاون مع روسيا، حيث أنّ الموضوع السوري هو أكثر موضوع استخدمت فيه الصين حق الفيتو في تاريخها “ست مرات”، وهي تقيم أيضًا علاقات طيبة مع النظام المصري، رغم أن الرئيس المصري محمد مرسي أبدى حسن نية كبير تجاهها، فقد كانت زيارته الخارجية الأولى لدولة غير عربية إلى الصين، بوفد يضم سبعة وزراء وسبعين من رجال الأعمال.[14]

ومما يلفت الانتباه اليوم أن اليمن هي الدولة العربية الآسيوية الوحيدة التي لم تنضم بعد إلى بنك البنية التحتية الآسيوي، وهو البنك الذي جعلت الحكومة الصينية في عام 2015؛ المشاركة فيه المدخل للمشاركة في مبادرة الحزام والطريق، وربما يعود ذلك إلى الحرب التي اندلعت منذ بدايات عام 2015م، والتي قد تشكل تهديداً محتملاً لخطوط الملاحة التي تمر من مضيق عدن،[15] بيد أنّ العلاقة مع إيران والسعودية والإمارات والتي تدعم القوى المتصارعة فيه، جيدة بما فيه الكفاية لحماية مصالحها المتعلقة باليمن، وذلك هي أكثر اطمئناناً فيما يختص بهذا الجانب، إلاّ أنّ الأمر ليس على هذا النحو على الدوام، فكثيراً ما تتهم السعودية أنّها وراء تمويل الجماعات الانفصالية في كل من ميانمار وشرق إيران والعراق وسوريا، وكلها مناطق تمر بها مشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينية، ما يعني اتهاماً للسعودية بتعطيل مشاريع الصين والتماهي مع الاستراتيجية الأمريكية بتعطيل مشاريعها واستنزافها في صراعات داخلية وإقليمية[16]، ولكنّه في نفس الوقت يعني أنّ علاقة أفضل مع السعودية يمكن أن تضمن توجيه هذه المجموعة بعيداً عن المشاريع والمصالح الصينية، ما يضمن لها الأمن في بيئات مضطربة.

ثالثاً: مرحلة ما بعد الاتفاقية الصينية-الإيرانية

مع قدوم الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس جو بايدن، سادت حالة من القلق، لدى الدول المناهضة لإيران، جراء تردُّد الإدارة الجديدة في التعامل مع الملف النووي الإيراني، واعتقاد البعض أنّ الإدارة الحالية تتجه لتفادي المواجهة مع طهران، على حساب تعزيز مواجهة التهديدات الروسية والصينيّة والكورية الشمالية.

ويرجع البعض هذا الاعتقاد، إلى إشارات على نية واشطن تقليص وجودها العسكري في المنطقة، الذي ظهر في بعض القرارات والتي منها سحب بطاريات من منظومات “باتريوت” الصاروخية للدفاع الجوي، إحداها من قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية دون الكشف عن ذلك، إلى جانب دراسة سحب طائرات مسيرة ومنظومات مضادة للصواريخ، لنشرها في مناطق أخرى.[17]

جاء هذا في وقت وقعت جمهورية الصين الشعبية وجمهورية إيران الإسلامية، اتفاقية تعاون مدتها 25 عامًا لتعزيز علاقتهما الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد وتبلغ قيمتها 400 مليار دولار، الأمر الذي سيزيد من اعتماد إيران على الصين، التي تقدم لها شريان حياة اقتصادي حيوي وسط عقوبات الولايات المتحدة.[18]

ومن المتوقع أن تؤدي الاتفاقية إلى تعميق نفوذ الصين في الشرق الأوسط، وتعزيز الحضور الصيني في مناطق النفوذ الإيراني على سواحل البحر المتوسط، وفي سوريا والعراق، يمكن أن تساهم اتفاقية الشراكة الاقتصادية في توسيع “مبادرة الحزام والطريق” لتشمل منطقة الخليج والعراق وسوريا، وتحويل دمشق إلى مركز تجاري رئيسي بين إيران وتركيا والعراق، ضمن شراكة مستقبلية قد ترى الولايات المتحدة فيها تهديدًا لمصالحها ونفوذها في المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية أمنيا واقتصاديا[19]، يتوافق مع ذلك رغبة إيرانية بتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري مع الصين، وهو ما عبر عنه مسؤولون الإيرانيون في أكثر من تصريح، وتعتبر إيران، مشروع “طريق الحرير” مبادرة مهمة من شأنها ان تقرّب الدول الواقعة في هذا المسار من بعضها بعضا على النقيض من الولايات التي تسعى من خلال بناء الجدران لخلق التباعد بين الشعوب، حسب الرؤية الإيرانية.[20]

رابعاً: الصين وتشابكات المنطقة المعقدة

تمثل الشواطئ الفلسطينية ابتداء من غزة وحتى حيفا المحطة الطبيعية لطريق الحرير، وهو ما كان على مدى أكثر من ألف عام، ومع أنّ السلطة الفعليّة اليوم على هذه البقعة هي سلطة احتلال، فهذا لا يبدو أنّه يهم الصين كثيراً، فالمهم هو مدى رغبة هذه السلطة المتحكمة بهذه البقعة الحساسة على شائط المتوسط بالتعاطي مع مبادرة الحزام والطريق.

ومما يظهر أنّ لدى الاحتلال الإسرائيلي رغبة في المشاركة في مشاريع المبادرة، التوقيع على الشراكة في بنك البنية التحتية الآسيوية، بالإضافة لأن المشاريع المشتركة بين الجانبين والمتنامية في مجال الاقتصاد والتسليح تتكامل مع مشاريع مبادرة الحزام والطريق.[21]

كما تنظر إسرائيل إلى المبادرة الصينية كمصدر لجني الأرباح، في ظل توافر بنى تحتيّة حديثة لديها، التي لا تحتاج إلى زمن طويل حتى يتم دمجها أو تطويرها لتكاملها مع مشاريع المبادرة المقترحة خلافاً للبلدان الآسيوية الأخرى التي تسعى للانضمام إلى طريق الجرير، ولعل من أهم المشاريع التي يرمي الطرفان إلى تنفيذها في هذا السياق، هو استخدام وتطوير الطريق من ميناء إيلات على البحر الأحمر براً إلى موانئ أسدود وعسقلان وحيفا.

وتسعى إسرائيل لاستثمار اتفاقيات التطبيع الأخيرة مع الأنظمة العربية، والعلاقات غير المعلنة مع بعض الأنظمة الأخرى، من خلال مشاريع تخدم الاندماج في المبادرة، وأبرزها مشروع خط للسكة الحديد يمكن أن يمتد من الخليج عبر السعودية مروراً بالأردن والتي طالما تحدّثت عن خططها لإنشاء هذا السكة من هذا النوع، وصولاً عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى حيفا على البحر الأبيض المتوسط، وهو إن حدث فسيكون أسمى ما تطمح إليه إسرائيل، إذ فضلاً عن جنيها لأرباح طائلة نتيجة لهذا الخط المختصر والفعّال، فإنّه يكرّسها كجزء طبيعي ضمن المنظومة الدولية في المنطقة.[22]

على الجانب الفلسطيني، تقيم الصين علاقات مميزة أيضًا مع السلطة الفلسطينية، وتعلن بشكل متكرر وواضح دعمًا للحقوق الفلسطينية المشروعة، وطرحت مؤخرًا عبر الرئيس الصيني شي جينبينغ، “رؤية ذات أربع نقاط” لتسوية القضية الفلسطينية، وفي الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي المنعقدة في 2018، أكد على دعم القضية الفلسطينية العادلة والدعم الثابت لإخراج مفاوضات السلام بين فلسطين وإسرائيل من الجمود في أسرع وقت ممكن على أساس “حل الدولتين” و”مبادرة السلام العربية”.[23]

رغبة الصين في لعب دور في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأهمية المتزايدة للقضية الفلسطينية لدى سياستها الخارجية، عكستها أيضًا تصريحات مستشار الدولة ووزير الخارجية الصيني في زيارته الأخيرة للمنطقة، والتي أعلن خلالها رغبة بكين باستضافة محادثات للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، علماً بأنّنا قد شهدنا في المواجهة الأخيرة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، مواقف صينية عدّها الاحتلال منحازة للفلسطينيين ومعادية للسامية.[24]

فإحدى عادات الصين للتصويت في “الأمم المتحدة” هي دعم جميع القرارات المعادية لإسرائيل، مع إدراكها تماماً أن حكومات الخليج تسعى بهدوء إلى التعاون مع الحكومة الإسرائيلية على عدة جبهات، لكن طالما يبقى موقفها الرسمي فاتراً، ستستمر الصين في التصويت وفقاً لذلك.[25]

لكن يجب أن نشير إلى أن علاقة الصين بإسرائيل ابتدأت بممانعة صينية وإقبال إسرائيلي في الخمسينات والستينات، مرورًا بغزل صيني وإسرائيلي متبادل وعلاقة سرية في السبعينات والثمانينات، وصولاً إلى تطبيع في عقد التسعينيات على المستويات كافة، وإبرام تحالفات استراتيجية.[26]

وترى بكين أن تطوير علاقاتها مع إسرائيل لن يكون له أية نتائج سلبية لعلاقاتها مع الدول العربية، نظرًا لتزايد العلاقات العربية المباشرة أو غير المباشرة مع إسرائيل، إذ إن علاقات الصين مع الدول العربية تتطور بشكل متسارع من ناحية، كما أنها تتطور مع إسرائيل من ناحية ثانية، فقد ارتفع حجم التجارة الصينية العربية من حوالي 51 مليار دولار عام 2005، إلى 109 مليار دولار عام 2009، وحوالي 70 مليارا في النصف الأول من عام 2010، كما ارتفع حجم التجارة الإسرائيلية-الصينية إلى 6.7 مليار دولار مرتفعًا عن الفترة ذاتها بحوالي الضعف.[27]

لكن تلك العلاقة يُنظر إليها من طرف الولايات المتحدة بعين الشك والقلق، وتفهم على أنها مزاحمة لنفوذ الأمريكي، وتهديداً مباشراً لمصالحه، وهو ما أطلق انتقادات من واشنطن تتهم تل أبيب بتقويض الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى إضعاف الصين، من خلال تمكين الأخيرة من بناء صناعة تكنولوجيا متطورة بالتعاون مع الشركات الإسرائيلية، وتهريب الأسرار العسكرية الأمريكية التي تتيحها عقود الشراكة بين واشنطن وتل أبيب إلى الصينيين وتمكين الصينيين من خلال عقود البنية التحتية في إسرائيل من الوصول إلى أماكن حسّاسة كميناء حيفا، والذي تستخدمه القوات الأمريكية ما يشكّل تهديداً لها.[28]

واضطرت إسرائيل في أكثر من حالة إلى إلغاء بعض العقود العسكرية، تحت الضغوط الأمريكية، والموقف الأمريكي تجاه هذه العلاقة شهد تحوّلاً، كان في بعض مظاهره علنيًا، أهمها التقرير الصادر عن مؤسسة راند التابعة لوزارة الدفاع في الولايات المتحدة والذي جاوز المائتي صفحة، وهو أبرز عمل غير مسبوق في مجاله.[29]

وضغطت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لوقف الاستثمارات الصينية في إسرائيل، والتي كان منها فوز الصين بعطاء كبير في ميناء حيفا وهو ما أزعج المسؤولين الأمريكيين بشدة. [30]

وبالعودة إلى الشرق الأوسط، فالحضور الصيني سيأخذ منحنى تصاعدياً، ولو بعد حين، وذلك لحماية خطوط الطاقة والمواد الخام والتجارة بشكل عام، وستكون المنطقة العربية وجوارها في القلب من هذا الحضور بحكم الجغرافيا السياسية وتركز مصادر الطاقة فيها، ولذا فإنّها تعدّ الخاصرة الرخوة للصين التي وإن كانت تحاول تنويع مصادر الطاقة إلا أنّها ما زالت تعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة، لذا فقد تتحول المنطقة إلى ميدان مواجهة بين الغرب والولايات المتحدة وتضع دولها أمام تحد كبير يمكن أن يحدد مستقبلها.

أمّا على صعيد الخلاف بين السعودية وإيران، فتحرص الصين على تفادي الانحياز إلى أي طرف في المواجهة الإيرانية السعودية أو الخلافات بين الدول العربية مثل الحظر الذي كان مفروضًا على قطر، وتفضّل التعاطي مع “جامعة الدول العربية” كملجئها الأساسي للحوار، ويشمل ذلك الدعم المتواصل لمواقف “الجامعة العربية” حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.[31]

خامساً: الشرق الأوسط.. ميدان نفوذ سِلميّ أم حلبة صراع عالمي؟

يترافق مع زيادة الاهتمام الصيني بالمنطقة، تراجعها على سلم الأولويات الأمريكية، فالصين التي تسعى للاستفادة من المنطقة كمصدر طاقة أساسي يكفل تطور اقتصادها، وكسواق هام لبضائعها وخدماها، وكممرات هامة لمشاريع مبادرة الحزام والطريق، هي الخصم الرئيس للولايات المتحدة، التي جعلت على أعلى سلم أولوياتها الحد من النمو الصيني.

لذا وإن كان اهتمام أمريكا بالمنطقة قد تراجع لأسباب ترتبط بعدم حاجتها للاعتماد على نفط المنطقة لتوافر مصادر ذاتية من النفط والطاقة، ومحاولة تركيز قوتها الاستراتيجية في المناطق القريبة من الصين، سواءً في شرق آسيا أو جنوب شرق آسيا أو حتى جنوب آسيا بالتعاون مع “تجمع كواد”[32]، فإنّ استراتيجيتها للحد من الصعود الصيني يجب أن تقوم –منطقياً- على حرمان الصين من ميزات المنطقة وعلى رأسها الطاقة، وهو ما يفسِّر سعي الصين الدائم إلى تنويع مصادر الطاقة التي تعتمد عليها، بما في ذلك شراكتها مع إيران.

بالإضافة أنّنا رأينا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على القدس وقطاع غزة، كيف اضطرت الولايات المتحدة إلى الدخول على خط التهدئة والوساطة بين الطرفين، وذلك على أعلى المستويات، حتى أن المؤتمر الصحفي الذي ضم كلاً من الرئيس بايدن ورئيس وزراء كوريا الجنوبية أثناء العدوان[33]، كان جزء هام منه عن هذا الموضوع، ما يعني أنّ الاستراتيجية الأمريكية القائمة على الانسحاب من المنطقة هي استراتيجية غير واقعية أو مبالغ في تصور مداها.

بالطبع يمكن إدراك أنّ الولايات المتحدة ترى في التوسع الصيني في المنطقة أبعد من مجرد تعاون ومشاريع اقتصادية، وينظر البعض إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، على أنّها طريقة هادئة وتدريجية للسيطرة وتعزيز النفوذ من قبل بكين، دون خلق صدام أو توتر مع القوى الأخرى وخاصة الولايات المتحدة، وتحاول من خلالها تعزيز التعاون مع دول الشرق الأوسط، حيث وقعت الصين وثائق متعلقة بالمبادرة مع 19 دولة في الشرق الأوسط، وتعد الصين الأن أكبر مستثمر أجنبي في الشرق الأوسط، حيث تبني بنى تحتية تقارب قيمتها مليارات الدولارات[34].

إذ حتى لو سلّمت أمريكا بالمنطق الصيني الذي يصوّر هذا التوسع على أنّه تعاون اقتصادي نافع للجميع، فإنّ القوة الاقتصادية يتبعها قوة عسكرية بالضرورة حسب الفهم الأمريكي، وهو ما يعني أنّ مزاحمة الصين لأمريكا على المنطقة ومحاولة الهيمنة عليها، هي مسألة وقت لا أكثر، وبالتالي يجب الحيلولة –من وجهة النظر الأمريكية- دون حصول ذلك، ولذا فإنّ الاحتكاك بين القوتين في هذه المنطقة أمر غير مستبعد ويمكن أن يأخذ أشكالاً عدّة، يمكن أن تتبلور من خلال الضغوطات الأمريكية على دول المنطقة للحدّ من اندفاعها نحو الصين، وخصوصاً تلك التي ينظر إليها تقليدياً كحلفاء لأمريكا، مثل دول الخليج وإسرائيل.

بالمقابل، تحاول الصين، إشراك الدول العربية في خططها الاقتصادية، ومنحها امتيازات مالية أو سياسية أو على صعيد البنية التحتية، لتحصيل الرضى عن خططها ومشاريعها، وجعل قدومها محل ترحيب دون أية مشاكل أو عدم الظهور بوضع المنبوذ في المنطقة، وإحداث شرخ في موقف دول الشرق الأوسط عن موقف الولايات المتحدة المناهض للصعود الصيني في الوقت الحالي على الأقل أو التخفيف من حدته، وخلال زيارة وانغ يي للمنطقة، زار تركيا وإيران والإمارات والسعودية وعمان والبحرين، وهي أكبر شريك تجاري لها في الصين وشريك رئيسي، وكانت السعودية أكبر مورد للنفط الخام  للصين في عام 2020، متغلبة على روسيا.[35]

وقد قامت الصين “بشراكات استراتيجية شاملة” مع كل من السعودية والإمارات، وكذلك إيران الآن، من خلال توقيع اتفاقية استراتيجية شاملة لمدة 25 عاماً حول التعاون الاقتصادي والأمني مع طهران، وتردّد أيضاً أنّ الاتفاق يشمل توسيع نطاق المساعدة العسكرية والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية.

يمكن أن يُفهم تغيّر موقف الولايات المتحدة تجاه المنطقة من خلال وثيقة “استراتيجية الدفاع الوطني” التي أصدرها وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس في 2018م، والتي ذكرت أنّ “المنافسة الاستراتيجية بين الدول وليس الإرهاب هي الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي للولايات المتحدة”، حيث كانت تنظر واشنطن للشرق الأوسط على أنه جوهر سياسة مكافحة الإرهاب التي كانت متبعة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولكنها ليست موطنًا لأي قوى عالمية أو منافسة رئيسية بين الدول العظمى وهو ما يقلل أهمية المنطقة في السياسة الجديدة، وربما يشير البعض إلى تدخل روسيا في سوريا لمخالفة هذه الفكرة، لكن الطموحات الروسية مقيدة في نهاية المطاف بحدود مواردها المالية وخططها بخلاف الخطط الصينية المرتبطة بأهمية وأهداف على المدى البعيد.[36]

وفي الوقت الذي تتمتع أغلب دول الشرق الأوسط بعلاقات أمنية وسياسية قوية مع الولايات المتحدة، فإنها تتشارك مع الصين بعلاقات اقتصادية قوية ومتصاعدة ولها تأثير على الجوانب الأخرى مثل السياسية والعسكرية، والتنافس بين بكين وواشنطن على المصالح في الشرق الأوسط يعطي مساحة من المناورة ربما يفيد الدول في تحصيل الامتيازات من كلا القوتين والاستفادة منها، خاصة في سياق تكنولوجيا الاتصالات وG5 الصيني، وفي بناء البنى التحتية.[37]

ونشير هنا أنه لا يعني خروج الولايات المتحدة  تمامًا من سوق الشرق الأوسط، لأن أسعار الطاقة العالمية عرضة للاصطدامات بفعل الاضطرابات والتأثيرات في هذه المنطقة، لذلك ستكون بكين وواشنطن حذرة في المنطقة لتأثير أي صدام أو حالة عدم الاستقرار على أمن الطاقة وعلى اقتصاد البلدين، لذلك سترغب كلاهما بوجود هدوء نسبي في المنطقة، والمواجهة بالطرق الهادئة.

ويبدوا أن جمهورية الصين الشعبية، أصبحت أكثر وضوحًا في أهدافها الإقليمية والدولية وبشكل معلن، وتسعى لتعزيز دورها في السياسة العالمية والحفاظ على نموها الاقتصادي وأمن الممرات الملاحية واستمرار تدفق النفط وضمان مصالح التجارية مع دول المنطقة، ويمكن اعتبار الشرق الأوسط المنطقة الحيوية في العالم التي تلتقي فيها مصالح الصين مع الولايات المتحدة، خاصة أن كلاهما سيكون في حالة قلق اذا حدث عطل في صادرات النفط من الخليج أو في حركة الملاحة.[38]

والتنافس الأمريكي الصيني خاصة على جيل الاتصالات الخامس وغيره من القضايا، يجعل دول المنطقة تدرك أن الواقع الجديد سينتج ضغوطاً كبيرة عليها في المستقبل، كما حدث في المشاريع الصينية لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي والضغط الأمريكي لإلغاء بعضها، واطلاق انتقادات أمريكية بالجملة لإسرائيل واتهامها بتقويض الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى إضعاف بكين من خلال تمكينها من بناء صناعة تكنولوجيا متطورة، وتهريب الأسرار العسكرية إليها، وتمكينها من خلال عقود البنية التحتية من الوصول إلى أماكن حساسة كميناء حيفا والتي تستخدمه القوات الأمريكية.[39]

هذا التوتر مع الإدارة الأمريكية سبّب انقساماً في الرأي داخل النخبة الإسرائيليّة، ودفع إسرائيل إلى حرمان الشركات الصينية من عطاءات لإقامة مشاريع كبيرة، وهذا السيناريو ربما يتكرر مع الدول العربية في حال شعرت الولايات المتحدة بالخطر في حال تعاظمت المشاريع الصينية في المنطقة.[40]

ويجب الإشارة هنا إلى أنّ ما يحدث هذه الأيام من تنازع في دولة الاحتلال الإسرائيلي، على طبيعة وإدارة العلاقة مع الصين، في ظل الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن أن ينسحب على العديد من الدول في المنطقة العربية، وهو مرشّح للزيادة والتسبّب في شرخ بين صنّاع القرار في الدولة الواحدة، فضلاً عن الضغوطات الخارجيّة التي يمكن أن تترك أثراً خطيراً على استقلال هذه الدول وقدرتها على السعي نحو تحقيق مصالح الذاتية.

خلاصة

تُعدّ منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، ساحة جديدة للنفوذ الصيني تحاول من الصين خلالها تأمين مصادرها للطاقة بالإضافة لإنجاح مبادرة الحزام والطريق، التي يُشكّل الشرق الأوسط أحد ركائز نجاحها، وتحاول قدر الإمكان المحافظة على علاقة دبلوماسية مع جميع الأطراف في المنطقة ودعم الاستقرار لتحقيق أهدافها، ومحاولة توسيع نطاق نفوذها الجغرافي ضمن الصراع مع الولايات المتحدة.

حيث يُعتبَر الشرق الأوسط قلب العالم، وحلقةَ الوصل بين الشرق والغرب، ويمتازُ بممرّاته الملاحية وثرواته لا سيما مصادر الطاقة والنفط، كما كان أحد الساحات التي شهدت منافسةً جيوسياسية خلال فترة الحرب الباردة، ورُبّما هو من المناطق التي ظلَّت مجالًا لتجاذُبٍ بين القُوى الدولية المؤثِّرة، ويعتبر نموذجًا مصغَّرًا التنافُس على الصعيد الدولي، وتنظُر الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط باعتباره أحدَ ركائز نفوذها على الساحة الدولية، بحُكم موقعِه الجغرافي الذي يمُرّ عبره نصيبٌ كبير من حركة التجارة الدولية.[41]

أمّا الصين، فتعتمد كما ذكرنا على الشرق الأوسط في إمدادات الطاقة ومصدر للقيمة السوقية ومشروعات الربط الاقتصادي على المستوى الدولي، وتحديدًا مبادرة “الحزام والطريق”، ولا يمكن للتجارة العالمة الجريان الطبيعي، إذا ما تمَّت إعاقة حركتها في الموانئ والممرّات الحسّاسة الواقعة في الشرق الأوسط، كالموانئ العربية على كُلٍّ من الخليج العربي والبحر الأحمر، أو الممرّات الدولية؛ كمضيق هرمز ومضيق باب المندب أو قناة السويس، أي أن استمرار النمو الاقتصادي الصيني والأمريكي وحتّى العالمي، مرتبطان بشكل وثيق بالشرق الأوسط.[42]

وحاول الرئيس بايدن، تحويل تركيز اهتمام بلاده عن الشرق الأوسط إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي، لكن فعليا، من المستحيل صرف الاهتمام عن هذه المنطقة لما فيها من مصالح حيوية للولايات المتحدة، وتهديدات مثل البرنامج النووي الإيراني، وفي الوقت الذي تراجعت فيه الولايات المتحدة عن سعيها للتحول عن المنطقة، إلا أنها لم تحقق تقدما، فخوفها من المزيد من التورط في المنطقة فتح المجال أمام منافسيها.

روسيا مثلًا وجدت لنفسها مساحة لإحياء الدور القديم للاتحاد السوفيتي عن طريق التدخل في سوريا، والصين ترى أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة تراجع، وإن كانت طويلة الأمد، وترى في نفسها القوة العالمية الصاعدة، وقوة بهذا الحجم لا يمكنها تجاهل منطقة كالشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين وما بعده، وبدأت التحرك للعب دور حقيقي في المنطقة حيث كشفت صحيفة الصين اليومية، التي يصدرها الحزب الحاكم، عن خطة من خمس نقاط “لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، بتقديم دفعات بناءة للحوار الفلسطيني-الإسرائيلي، واستكمال الاتفاق النووي مع إيران، وبناء إطار عمل أمني في المنطقة”.[43]

في الختام، يمكن للدول العربية أن تختار الاصطفاف مع الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة على العالم والمنطقة، أو الصين كقوة صاعدة وواعدة، خصوصاً بعد أن جرّبت وخبرت الأولى عن قرب، ولكنّها ليست مضطرة في الحقيقة إلى ذلك إن كان هنالك مشروع عربي أو إسلامي موحَّد، يغلّب مصلحة المنطقة وأبنائها على المصالح الضيقة، ويعيد زمام المبادرة والتأثير إلى العامل الذاتي لا العامل الدولي، وبالتالي يمنع أن تتحوّل المنطقة العربية إلى ميدان مواجهة قد تحرق المنطقة ويتحوّل أبناؤها إلى وقود مجاني لحرب لا مصلحة لها فيها.

في هذا المقام، لا يمكن تجاهل الأهمية الاستراتيجية للمنطقة على مدى التاريخ، والذي جعلها عرضة لأطماع القوى الكبرى شرقاً وغرباً، وبالتالي فاستلهام التاريخ مطلوب عند البحث عن مخرج من المأزق الذي تعيشه المنطقة والذي جعلها غير قادرة على التعامل بنديّة مع القوى الكبرى وتعتمد في أمنها على حماية القوة الأجنبية، فليس مطلوباً أن تتورّط المنطقة في المواجهة بين القوى الكبرى، أو تنتقل سلميّاً –في أحسن الأحوال- من تحت المظلة الأمريكية إلى الصينيّة، بل أن تقود مشروعاً حقيقياً ينتج حكومات قويّة تعمل على بناء جبهة موّحدة على مبدأ التكامل والتنافع، حتى ولو لم يكن بالإمكان وجود قوة إقليمية مهيمنة تجمع المنطقة خلفها، كما كان الحال أيام الدولة العثمانية ومن سبقها من الدول الإسلامية الكبرى، وهو تحد كبير وربما وجودي أمام شعوب المنطقة وقادته.


الهامش

[1] سبوتنيك عربي، وزير خارجية الصين يزور 6 دول في الشرق الأوسط، مارس 2021: https://bit.ly/2PDXjbp

[2] RAND Corporation، الصين في الشرق الأوسط: التنين الحذر، 2016: https://bit.ly/2RhP4C3

[3]   The Brookings Institution, China’s Changing Oil Strategy and its Foreign Policy Implications Sergei Trous, September 1999: https://brook.gs/3hy0TLP

[4]  نزار زيدان، العلاقات الأمريكية الصينية أوجه التقارب وأوجه التباعد، مجلس السياسية الدولي، 1998: عدد 132

[5] لي ويجيان، العلاقات الثنائية بين الصين والشرق الأوسط وأهمية هذه المنطقة في الإستراتيجية الصينية، الرقم 6 ،2004 ،ص 20.

[6] منتدى التعاون الصيني العربي، وزير الخارجية الصيني يستعرض جولته المثمرة في الشرق الأوسط ودورها في تعزيز التعاون مع دول المنطقة، مارس 2021: https://bit.ly/2REMy9u

[7] BBC، اشتباكات الصين والهند: مواجهات جديدة على الحدود وتقارير عن إصابات من الجانبين، يناير 2021: https://bbc.in/3ciVRDi

[8] أكاديمية العلاقات الدولية، مشروع الحزام الصيني: طريق واحد، سبتمبر 2019: https://bit.ly/3ikzq4z

[9]   The European Council on Foreign Relations, China’s great game in the Middle East, October, 2019: https://bit.ly/33m4jMO

[10]   شبكة شام، السفارة الصينية تنفي مشاركتها في أي علمية عسكرية بإدلب وصحيفة الوطن: أخطئنا الترجمة، أغسطس 2018: https://bit.ly/2FiYkk4

[11] سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة الامارات العربية المتحدة، مستشار الدولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي يجري مقابلة صحفية كتابية مع وكالة أنباء الإمارات، مارس 2021: https://bit.ly/3z7BBOL

[12] سفارة جمهورية الصين الشعبية في المملكة العربية السعودية، مستشار الدولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتلقى مقابلة مع جريدة الشرق الأوسط، أبريل 2019: https://bit.ly/3f0c80F

[13] عربي 21، السعودية وباكستان ولعبة التوازنات الدوليّة، أبريل 2021: https://bit.ly/2Q6bu9p

[14] المصري اليوم، مرسي يزور الصين الاثنين لبحث التبادل التجاري بين البلدين، اغسطس 2012: https://bit.ly/2Sw5YNY

[15] رويترز، الصراع في اليمن يزيد المخاطر على طرق بحرية رئيسية لنقل النفط في المنطقة، مارس 2015: https://reut.rs/3cbOcXf

[16] الجزيرة نت، مبادرة الحزام والطريق الصينية وحتمية الجغرافيا العربية، يوليو 2017: https://bit.ly/3bhnlbT

[17] RT، تقرير: واشنطن تسحب بعض القوات من الخليج وتدرس خيارات لحماية السعودية، يناير 2021: https://bit.ly/2TCram8

[18] مركز الجزيرة للدراسات، إيران والصين ومعاهدة الـ25 عاما: هل تتحول العلاقات إلى شراكة استراتيجية عميقة؟، يونيو 2020: https://bit.ly/3phoHcr

[19] وكالة الأناضول، هل ستغير الاتفاقية الإيرانية الصينية خارطة النفوذ بالشرق الأوسط؟، مايو 2021: https://bit.ly/3h63y2R

[20] قناة العالم، سفير ايران في بكين: العلاقات بين ايران والصين ستشهد تطورا لافتا، ديسمبر 2020: https://bit.ly/3f2iOLu

[21] الجزيرة نت، مبادرة الحزام والطريق الصينية وحتمية الجغرافيا العربية، يوليو 2017: https://bit.ly/3bhnlbT

[22] وكالة الأناضول، “سكة حديد السلام”.. تفاصيل ربط إسرائيل بالأردن ودول خليجية، نوفمبر 2018: https://bit.ly/34CE9Xl

[23] الجزيرة، وزير خارجية فلسطين: مستعدون لإنجاح مبادرة السلام الصينية، مارس 2021: https://bit.ly/2Rtya3L

[24] الصين تعتزم استضافة مباحثات سلام بين شخصيات فلسطينية وإسرائيلية، مارس 2021: https://bit.ly/2T559fz

[25] The Washington Institute for Near East Policy, China’s Middle East Policy: Speak Softly and Wave a Large Purse, June 2019: https://bit.ly/3lGOJ6R

[26] بكر مصباح، تطور سياسة الصين الشعبية من الصراع العربي الإسرائيلي، مجلس المستقبل العربي: العدد 188، 1988 م 

[27]  مركز الجزيرة للدراسات، العلاقات الصينية -الإسرائيلية: الأسواق والسلاح، 11 سبتمبر 2011:  https://bit.ly/2CfArYU  

[28] بولتون مارس ضغوطاً لمنع دخول شركات صينية إلى إسرائيل، 28 مايو 2019:  https://bit.ly/3adqTKs  

[29]  The Wall Street Journal، Amid U.S. Pressure, Israel Rejects Chinese Bid for Major Infrastructure Project، 26 مايو 2020:  https://on.wsj.com/33MZiib  

[30] وكالة الأناضول، بعد كورونا.. واشنطن أكثر قلقا من علاقات إسرائيل بالصين، 15 مايو 2020:  https://bit.ly/31zO9P3

[31] فرانس 24، الصين تدعو إلى حل الأزمة الخليجية عبر الحوار، يوليو 2017: https://bit.ly/3x2Ee2s

[32] عربي 21، تجمع “كواد” ودبلوماسية اللقاحات، مارس 2021: https://bit.ly/34UajO4

[33] USA Today, Gaza cease-fire, Biden hosts S. Korea leader, ‘The Me You Can’t See’: 5 things to know Friday, 21 May: https://bit.ly/34R6SaX

[34] منتدى التعاون الصيني العربي، النص الكامل لمقابلة وانغ يي مع قناة العربية، مارس 2021: https://bit.ly/3uO8OeC

[35] Deutsche Welle، “الحزام والطريق” ـ استراتيجية الصين للهيمنة على الشرق الأوسط، أبريل 2021: https://bit.ly/2STRR5e

[36] معهد واشنطن، الصين في الشرق الأوسط: على خطى الولايات المتحدة، يونيو 2021: https://bit.ly/3uM7ARh

[37] شركة الاتصالات المتنقلة “زين”، “زين السعودية” تطلق خطوط الاتصالات المؤجرة بتقنيات الجيل الخامس لقطاع الأعمال، نوفمبر 2019: https://bit.ly/3vZUEIO

[38] مركز الإمارات للسياسات، أبعاد تنافُس الولايات المتحدة والصين وتأثيره على الشرق الأوسط، مارس 2021: https://bit.ly/3fJwigK

[39] Independent ، بولتون مارس ضغوطاً لمنع دخول شركات صينية إلى إسرائيل، 28 مايو 2019:  https://bit.ly/3adqTKs 

[40] وكالة الأناضول، ضغوط أمريكية تحرم شركة صينية عطاءً في إسرائيل، مايو 2020: https://bit.ly/3cf74ok

[41] Chas W. Freeman, Jr., The United States, the Middle East, and China, The Middle East Policy Council, accessed Apr,19, 2021, https://bit.ly/3sufeyB

[42] المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، التنافُس الأمريكي-الصيني وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط، أبريل 2021: https://bit.ly/3nZ3Rhe

[43] BBC عربي، هل أصبحت إيران بوابة الصين لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط؟، أبريل 2021: https://bbc.in/2RB6oCt

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close