fbpx
دراسات

الرقابة البرلمانية على القطاعات الأمنية والعسكرية: تجارب مقارنة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تُعرف الرقابة البرلمانية على قطاع الأمن والدفاع بأنها[1]: “أن تمارس الهيئة التشريعية الرقابة البرلمانية من خلال تبني قوانين تحدد وتنظم القطاعات الأمنية وصلاحياتها وسلطتها، والقوانين المرتبطة بها والميزانية المخصصة لها. كما تشمل هذه الرقابة أيضا إنشاء لجنة برلمانية مخولة لإجراء تحقيقات في الشكاوى المقدمة من طرف المواطنين”.

ويتطلب الحكم الرشيد الرقابة البرلمانية نظرا لأن البرلمان يعد أحد اللبنات الأساسية للديمقراطية وهو بمثابة حصن ضد حكم الاستبداد. ويمتلك البرلمان الصلاحيات المالية، وبالتالي، هو الذي يحدد بنود الميزانيات المخصصة للقطاعات الأمنية، بالإضافة إلى ذلك، فهو الذي يضع المعايير القانونية للشؤون الأمنية.

واستنادا إلى السياق المحدد لكل دولة، يمارس البرلمان دوره الرقابي على القطاعات الأمنية والعسكرية بأنواعها، بناء على عدد من الإجراءات، منها[2]: الموافقة على أو رفض أو اقتراح تعديلات على السياسات والقوانين المتعلقة بالأمن والدفاع، وذلك عبر الطرق التالية: من خلال عقد نقاشات برلمانية، أو تقديم استجوابات وطلبات إحاطة من أفراد السلطة التنفيذية، الدعوة لإجراء مشاورات وطنية حول القضايا الأمنية، واعتماد بنود الموازنة المتعلقة بالأمن والدفاع والإشراف عليها، والإعلان أو إنهاء حالة الطوارئ أو الحرب، والموافقة أو رفض المقترحات الحكومية في الجوانب التالية: فيما يخص المعاهدات أو التحالفات الدولية، أو إرسال قوات إلى الخارج، عقود وصفقات توريد الأسلحة. بالإضافة إلى تعيين رجال أمن في المناصب العليا، والرقابة وتقييم السياسات والبرامج الأمني من خلال التحقيقات أو الاستجوابات البرلمانية.

وتبرز أهمية الرقابة البرلمانية على القطاعات الأمنية من زاويتين، فمن ناحية، يجب أن تفي الأجهزة الأمنية بمتطلباتها الوظيفية، أي الحفاظ على القانون والنظام وحماية المصالح الوطنية والحقوق المدنية، سواء كانت هذه الأجهزة عسكرية، أو استخباراتية، أو الخاصة بسلك الشرطة، بحيث يجب أن تكون جاهزة وعلى أتم الاستعداد لأداء مهامها، ومن ناحية أخرى يجب أن تخضع للمعايير المجتمعية والديمقراطية والقانونية.

لذلك، يجب على الأجهزة الأمنية بجميع مكوناتها أن تتصرف ضمن الدائرة القانونية وأن تخضع للشرعية الديمقراطية ممثلة في البرلمان. لأنه عندما يتعلق الأمر بالتفوق المدني والحكم الديمقراطي تلعب البرلمانات دورا حاسما، في المناقشة والمشاركة في هذا الجانب، بحيث تصبح الرقابة المدنية رقابة ديمقراطية، وتكون بذلك طريقة للتعبير عن احتياجات واهتمامات الأفراد في المناقشات الأمنية[3].

ففي الواقع، مشاركة البرلمان في المناقشات الأمنية هي التي تصنع الفرق بين الرقابة المدنية والرقابة الديمقراطية، أو بمعنى آخر بين الحكم الرشيد والحكم الديمقراطي. هذا التمييز له أهمية كبرى. بحيث أن الرقابة المدنية شرط أساسي لكنها ليست كافية لتحقيق الرقابة الديمقراطية. هذا ما يستشف من تجارب الأنظمة الاستبدادية في القرن العشرين. فعلى سبيل المثال، كان كل من هتلر وستالين يسيطران على جيوشهم سيطرة مطلقة، لكن هذا الأسلوب غير مرغوب فيه في المجتمعات الديمقراطية[4].

وفي هذا الصدد، يلعب البرلمان دورا مهما في حماية عنصر الديمقراطية من خلال الرقابة التي يمارسها على قطاعي الأمن والدفاع.

ولا تنحصر الرقابة البرلمانية على الأحكام الدستورية والقانونية ولكنها تهتم بشكل أساسي بممارسات الفاعلين، من خلال التركيز على دور اللجان البرلمانية التي تشكل الدرع الأساسي للبرلمانيات المعاصرة. وتستند الرقابة البرلمانية على الأمن والدفاع إلى السلطة (السلطات الدستورية والعرفية) والقدرة (الخبرة والموارد المادية) والإرادة السياسية (الموقف النقدي) للبرلمانيين واللجان المكلفة بمراقبة الأمن والدفاع [5].

أولاً: في ضرورات الرقابة البرلمانية على القطاعات الأمنية

تتعدد الأسباب التي تجعل من المشاركة البرلمانية في إصلاح السياسة الأمنية وقطاع الأمن والدفاع ضرورية[6]، ومن بين هذه الأسباب:

1- الرقابة البرلمانية أساس الديمقراطية (منع الاستبداد): قال رئيس الوزراء الفرنسي السابق Georges Clémenceau ذات مرة إن “الحرب كانت خطيرة للغاية بالنسبة للأعمال التجارية بحيث لا يمكن تركها للجيش”. التصريح هو بمثابة تذكير بأنه في الديمقراطية، يمتلك ممثلو الشعب السلطة العليا وأنه لا ينبغي استبعاد أي قطاع من قطاعات الدولة من رقابتهم. دولة بلا رقابة برلمانية على قطاعي الأمن والدفاع، يمكن القول، في أحسن الأحوال بأنها ديمقراطية غير مكتملة أو في طور التكوين.

وفقاً للباحث الأمريكي البارز روبير دال Robert Dahl، فإن “المشكلة الأساسية والأكثر إلحاحا في السياسة هي تجنب الحكم الاستبدادي.” بينما يتعامل قطاع الأمن والدفاع مع إحدى المهام الرئيسية للدولة، فإن نظام الضوابط والتوازنات ضروري لموازنة سلطة الجهاز التنفيذي. وبالتالي فإن الرقابة البرلمانية على قطاع الأمن والدفاع هي عنصر أساسي لتقاسم السلطة على مستوى الدولة، وإذا كانت فعالة، فإنها تكون مدعومة بسلطة الجهاز التنفيذي.

2- الميزانية وضرورية الرقابة البرلمانية: تعد الميزانية من أهم الآليات البرلمانية للرقابة على السلطة التنفيذية حتى الآن. منذ الأيام الأولى للجلسات الأولى في أوروبا الغربية، طالبت البرلمانات دائماً بأن يكون لها رأي في الشؤون السياسية، تحت عنوان “لا ضرائب بدون تمثيل”. بما معناه بينما تستخدم مؤسسات قطاع الأمن جزءا هاما من ميزانية الدولة، يبقى من الضروري للبرلمانيين أن يراقبوا استخدام هذه الموارد الدولة بفعالية وكفاءة.

ولذلك فيتمثل الدور الأكثر أهمية للبرلمان في إنشاء هيكل تشريعي خاص به يضمن – قدر الإمكان ضمن هيكل دستوري معين – لتنفيذ جميع المبادئ الرقابية في هذا المجال، وبالتالي إضافة تشريعات لعملية التدقيق والمتابعة. لذلك، يجب أن تكون الرقابة البرلمانية على القطاعات الأمنية بأنواعها فيما يخص الموازنة المالية راسخة بقوة في الثقافة السياسية للبلد. وطبقا لذلك يجب على البرلمان أن تكون له القدرة في تقييم الخدمات التي تقوم بها قطاعات الأمن والدفاع لمخصصات معينة في الميزانية، بالإضافة إلى توافر المعلومات الكافية أثناء إعداد الميزانية والموافقة عليها، ومراقبة تنفيذ بنودها ومراجعة حساباتها.

3- التشريعات القانونية وقضايا الأمن والدفاع: من الناحية العملية، فإن السلطة التنفيذية هي المكلفة بإعداد القوانين المتعلقة بالمسائل الأمنية. ومع ذلك، يلعب أعضاء البرلمان دوراً مهماً في مراجعة هذه المشاريع. مع إمكانية في حالة الضرورة- اقتراح تعديلات للتأكد من أن الأحكام القانونية المقترحة تعكس بشكل مناسب الرؤية الجديدة للأمن. علاوة على ذلك، فإن البرلمان يظل الجهة الضامنة لتنفيذ هذه القوانين بشكل واقعي وعدم تركها حبر ا على ورق.

4- البرلمان هو واجهة المواطن: قد لا تكون السلطة التنفيذية على دراية واسعة وكبيرة بالمسائل الأمنية التي تشكل أولوية بالنسبة للمواطنين، بعكس البرلمان الذي يظل نوابه على اتصال منتظم مع المواطنين لمناقشتهم والتعرف على اهتماماتهم وتخوفاتهم، وبالتالي أخذ توجهاتهم بعين الاعتبار أثناء الإعداد أو الموافقة على القوانين واللوائح.

5- تحقيق التوازن بين ثنائية الأمن والحرية: واجهت الأجهزة الأمنية-الدفاعية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة بيئة أمنية مختلفة وشديدة التعقيد، تشمل التهديدات الأمنية الجديدة أبرزها الإرهاب، الجريمة المنظمة، والتهديدات المتولدة عن أسلحة الدمار الشامل وغيرها من التهديدات…لذلك كان من الضروري على الأجهزة الأمنية-الدفاعية أن تتخذ الخيارات الصحيحة في ظل التوجه الديمقراطي أولا، وفي المقابل كان يجب على البرلمانات التأكد من أن التوجهات الجديدة في ظل متطلبات البيئة الأمنية الجديدة، تتوافق مع روح الدستور والقانون الدولي.

ثانياً: مستويات الرقابة البرلمانية على القطاعات العسكرية

حول مستويات الرقابة البرلمانية على القطاع الأمني والعسكري نشر مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة (DCAF) دراسة استقصائية لمقارنة طرق الرقابة البرلمانية على القوة المسلحة في 25 دولة أوروبية، سعياً نحو معرفة إلى أي مدى يجب تحليل الاتجاه المفترض للديمقراطيات نحو السلام كنتيجة لنوعية عملية صنع القرار في مسائل الأمن والدفاع في الديمقراطيات، وافترضت الدراسة أنه كلما زادت مشاركة الهيئة التشريعية في عملية صنع القرار في مسائل السياسة الدفاعية، كلما انخفض الميل إلى استخدام القوة والمشاركة في النزاعات المسلحة. بناءً على هذا الافتراض، انتهت الدراسة إلى التصنيف التالي[7]:

مستويات الرقابة

التعريف

الدول

الأول: رقابة برلمانية قوية جدا

الحاجة إلى موافقة برلمانية مسبقة على كل قرار باستخدام القوة؛ بالإضافة إلى صلاحيات البرلمان في التحقيق والمناقشة في المسائل الأمنية-العسكرية ووظائف ومهام أفرادها.

ألمانيا، النمسا، إستونيا، فنلندا، هنغاريا، إيطاليا، ليتوانيا، لاتفيا، لوكسمبورغ، مالطا، سلوفينيا

الثاني: رقابة برلمانية قوية

يجب أن تكون هناك موافقة برلمانية مسبقة مع استثناءات كتواجد (استقبال القوات الأجنبية على أراضي الدولة فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية). كما يمكن للبرلمان التحقيق أو مناقشة قضايا تخص السياسات الأمنية خصوصا المتعلقة بالقوات المسلحة.

السويد، الدنمارك، هولندا، إيرلندا

 

الثالث: رقابة برلمانية متوسطة

وهو ما يسمى بالرقابة اللاحقة (المؤجلة) ومن الأمثلة على ذلك انه بإمكان البرلمان أن يطلب بانسحاب قوات بلاده من منطقة ما أو التصويت على التمديد في عملها، كما يمكن للبرلمان إجراء تحقيق ومناقشة حول المسائل الأمنية خصوصا العسكرية منها

جمهورية التشيك، سلوفاكيا

الرابع: رقابة برلمانية ضعيفة

لا يلزم الحصول على موافقة برلمانية ولكن فقط يجب إبلاغ البرلمان في حالة المهام الخارجية؛ كما يمكن للبرلمان إجراء تحقيقات وفتح نقاش حول المسائل العسكرية.

بلجيكا، إسبانيا، بولندا، البرتغال، فرنسا (بعد التعديل الدستوري للعام 2008).

الخامس: رقابة برلمانية ضعيفة جدا

لا حاجة للرقابة البرلمانية فيما يتعلق بالمسائل العسكرية، ولا صلاحيات معينة للبرلمان للتحقيق أو مناقشة المسائل العسكرية.

المملكة المتحدة- قبرص-اليونان.

 

ثالثاً: نماذج الرقابة البرلمانية في النظم الديمقراطية

يمكن تناول الرقابة البرلمانية في عدد من النماذج الديمقراطية على النحو التالي:

1: النموذج الألماني (رقابة برلمانية قوية جدا):

أولت ألمانيا اهتماما خاصا بالرقابة البرلمانية عند إعادة تشكيل قواتها المسلحة في خمسينيات القرن الماضي، وقد وضعت إطارا لعمل هذه القوات يستند إلى قيم الدستور ويضع الإنسان في مقدمة الاهتمامات، وقد تمت إضافة البند رقم (45 ب) على القانون الأساسي الألماني، الذي ينص على ما يلي[8]: “يعين مفوض برلماني لحماية الحقوق الأساسية لأفراد القوات المسلحة، ولمساندة هيئة البوندستاغ (البرلمان الألماني) في ممارسة الرقابة البرلمانية[9]“، والمفوض البرلماني هو عضو مساعد للبرلمان الألماني (البوندستاغ) وبالتالي فهو يعد ركنا من أركان السلطة التشريعية، ويجوز للمفوض التحقيق في بعض القضايا بناء على تعليمات من هيئة البوندستاغ أو لجنة الدفاع فيها، أو أن يتخذ ما يراه من إجراءات إذا وجد ضرورة لذلك[10]. كما يعين البوندستاغ هيئة تتولى الرقابة على أنشطة الاتحاد الاستخباراتية.

إذن، يعتبر البرلمان الألماني، لاعبا رئيسيا في تحديد السياسات العسكرية وتطبيقها وتقييمها. بحيث يجسد مبدأ خضوع القوة العسكرية للسلطة السياسية. ويتبلور هذا المبدأ في تصوير البوندسفير على أنه “جيش برلماني”، والبوندستاغ، بأنه عبارة عن مؤسسة منتخبة بالاقتراع العام المباشر، يعكس في هذا الإطار سيطرة السياسة والأمة على القوات المسلحة.

إذن فقد وضع النظام السياسي الألماني في صميم عمله مسائل الدفاع، وبالتالي مبدأ تبعية الجيش للسلطات السياسية من خلال مفهوم “الجيش البرلماني” (Parlamentsarmee) هذا المفهوم الذي أكدته المحكمة الدستورية في كارلسروه (Karlsruhe) خلال حكمها التاريخي لعام 1994 الذي أزاح النقاب عن مجموعة من التناقضات الواردة في القانون الأساسي الألماني فيما يتعلق بمسألة استخدام القوة العسكرية ورقابته البرلمانية عليها، وقد أعادت الحكومات المتعاقبة تأكيده على الدوام. جنباً إلى جنب مع مفهوم “الاحتياطي البرلماني” (Parlamentsvorbehalt) الذي يشير إلى الحاجة للموافقة على استخدام القوات الألمانية من خلال البرلمان.

ومن كل ذلك فيتمتع البرلمان الألماني بسلطات مهمة فيما الرقابة البرلمانية على سياسات الدفاع الألمانية ومن ضمنها:

(أ) إرسال القوات إلى الخارج: تبنت ألمانيا أحكاما دستورية متناقضة في القانون الأساسي لعام 1949 كرد فعل على تجربة النظام النازي، هذا الأمر التي كان له تأثير على إعاقة إمكانية توظيف (البوندستاغ) خارج الإقليم الذي يغطيه الناتو، وتُخضع (المادة 87-أ) [11]من القانون الأساسي المشاركة الخارجية للقوات الألمانية لتفويض دستوري مسبق، بغض النظر عن تفويض المشاركة الخارجية، بينما تميل (المادة 24)[12] إلى تأكيد مسؤوليات ألمانيا ضمن إطار نظام الأمن الجماعي (خاصة الناتو)، الأمر الذي يؤكد على أهمية التدخلات الخارجية. ولكن مع سقوط جدار برلين، أثيرت مسألة تدخل الجيش الألماني في الأمن ضمن التدخل الأوروبي والدولي، مما يعني أن أساليب التدخل تتجاوز حدود منطقة تدخل الناتو في تسوية النزاعات الإقليمية.

 ففي صيف عام 1992، قاد التحالف المحافظ الحاكم والمعارضة الاشتراكية الديمقراطية مناقشات في البوندستاغ حول إرسال طيارين ألمان إلى البوسنة كجزء من مهمة الناتو لكن المحكمة الدستورية في كارلسروه (Karlsruhe) رفضت في حكم صدر في 8 أبريل 1993 مشاركة جنود ألمان في تدخل الناتو في البوسنة. كانت المشكلة الرئيسية هي المعارضة الداخلية حول هذا الموضوع في ألمانيا: انقسم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهما حزبا الائتلاف الحكومي الرئيسيان، حول مسألة المهام الإنسانية وبعثات حفظ السلام.

وبعد “منعطف بيترسبرغ” (Petersberger Wende) في العام 1992، اقترح الحزب الاشتراكي الديمقراطي تعديلا على القانون الأساسي للسماح للبوندستاغ بالمشاركة في بعثات حفظ السلام، كانت أول وحدة ألمانية تم إرسالها خارج منطقة الحلف الأطلسي إلى الصومال في عام 1993.

وقد تم حل التناقض بين المادتين 87-أ و24 بشكل نهائي عن طريق حكم تاريخي لمحكمة كالسروة (Karlsruhe) في 12 يوليو 1994، قضت من خلاله بمشاركة الجنود الألمان في البعثات العسكرية الأجنبية برعاية الأمم المتحدة وخارج المنطقة الجغرافية لحلف الناتو وفقاً للقانون الأساسي لعام 1949، حتى لو كانت هذه المهام تنطوي على استخدام القوة[13].

ومع ذلك، ووفقاً لأحكام القانون الأساسي، يجب أن يوافق البوندستاغ بأغلبية بسيطة على أي مشاركة للجيش الألماني في أي عملية خارج الحدود، سواء كانت عسكرية أو إنسانية[14].

وبالمثل، فإن أي تدخل من جانب البوندسفير يجب أن يتوقف فورا إذا قرر البوندستاغ أو البوندسرات ذلك. يوفر قانون 18 مارس 2005 بشأن المشاركة البرلمانية في صنع القرار لتوظيف القوات المسلحة الألمانية خارج الحدود الألمانية تفاصيل حول طرق الرقابة البرلمانية على عمليات انتشار القوات المسلحة الألمانية: بحيث تنص (المادة 1- الفقرة 2)، على ما يلي[15]: “يتطلب استخدام القوات المسلحة الألمانية خارج الإقليم تطبيقاً للقانون الأساسي موافقة البوندستاغ”. وبالتالي فهي رقابة سابقة.

وبالمثل، فإن نفس القانون يعطي تعريفا واضحا عن المشاركة العسكرية بحيث يجب أن يوافق على هذه المشاركة البوندستاغ[16]: “يتم نشر القوات المسلحة إذا شارك جنود الجيش الألماني في عمليات عسكرية أو في إطار يمكن فيه توقع استخدام القوة المسلحة “(المادة 2 -الفقرة 1). يصوت البوندستاغ بالتفصيل على التفويض الممنوح لوزير الدفاع لإرسال الجيش الألماني في العمليات الخارجية [17]، بما في ذلك التكاليف التي تكبدتها العملية المعنية (المادة 3). ومن كل ذلك، فتوجد مراقبة برلمانية دقيقة يتم من خلالها فحص ظروف وأسباب مشاركة الجيش في عمليات خارج الحدود. كما يحدد قانون 2005 أيضا الاستثناءات النادرة التي تسمح بإجراء رقابة معجلة وموافقة برلمانية سابقة.

هذا هو الحال مع عمليات النشر ذات الكثافة المنخفضة للغاية، وكذلك عمليات الانتشار العسكرية التي تكون ضرورية بسبب خطر وشيك أو بسبب وجود كارثة طبيعية على سبيل المثال (المادة 4)[18]. وبالتالي، إذا كانت مبادرة استخدام القوة المسلحة تقع بالفعل على عاتق الحكومة الألمانية، فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة والبرلمان بشكل مشترك من خلال الحاجة إلى موافقة برلمانية مسبقة “[19]. وهكذا فقد كان البوندستاغ قد وافق على ما بين 80 و100 عملية نشر خارجية للبوندسفير منذ عام 1994. كما اشتمل تصويت 10 نوفمبر 2016 على تمديد ولاية الجيش الألماني. في العراق، ومدد البوندستاغ خمس مهام عسكرية خارجية للبوندسفير من خلال تصويته في 12 ديسمبر 2017، بما في ذلك المشاركة في عملية EUTM مالي.

(ب) التأشير على ميزانية الدفاع: تمتد صلاحيات البوندستاغ العسكرية أيضا إلى المجالات الكلاسيكية الأخرى التي تشكل التدقيق البرلماني لسياسات الدفاع، مثل الموافقة على ميزانية الدفاع، على سبيل المثال. فقد تميزت بداية التسعينيات بمناقشتين تتعلقان بسياسات الدفاع. تتعلق المسألة الأولى والأهم بالدور المستقبلي للبوندسفير وآثاره على تخطيط الأسلحة.. أما المسألة الثانية تتعلق بتكاليف هذه السياسة في سياق يجمع بين الأزمة الاقتصادية وجهود الميزانية لإعادة التوحيد. دعا البعض إلى نهج سياسة دفاعية عبر أمرين أساسيين: القيام بعمل “أفضل وأكبر”، ولكن بميزانية منخفضة هيكلياً.

يتم التصويت على ميزانية الحكومة الفيدرالية مرة واحدة في السنة بموجب قانون المالية. هناك فصل خاص بالسياسات الدفاعية يسمى “Einzelplan 14”. تعرض مشروعات الموازنة التي تعدها الحكومة على لجنة الموازنة. هذه الأخيرة هي اللجنة الرائدة في جميع القرارات المتعلقة بشؤون الميزانية، ومن هناك تصدر الموافقة على جميع مسائل المشتريات العسكرية. في حين تتمتع لجنتا الدفاع والشؤون الخارجية فقط بوضع استشاري: فهي تقدم رأيها إلى لجنة الميزانية، التي ستقدم رأيها في جلسة عامة.

لا يقتصر تأثير البرلمان على مسائل ميزانية الدفاع على المصادقة على قانون الموازنة السنوية. وبالفعل، فإن الوزارة مطالبة بموافقة البرلمان على أي مشروع لشراء أسلحة تتجاوز قيمته 25 مليون يورو. مرة أخرى، لجنة الميزانية هي المسؤولة عن تقييم سياسات الحكومة، وتنصح بها لجنة الدفاع.

في الممارسة البرلمانية، ليس من السهل فهم العلاقات بين اللجان وتأثيرات كل منها على سياسات المشتريات العسكرية. في خطابات بعض أعضاء لجنة الدفاع، وكذلك في الوثائق البرلمانية، فإن موافقة لجنة الدفاع هي شرط مسبق لكنه غير رسمي للتصديق على قرار من قبل لجنة الميزانية. الحاجة إلى توافق الآراء يمكن تبريره بحقيقة أن الخبرة تكاملية. ومع ذلك، فقد تمكن نواب آخرون من التعبير عن وجهات نظر أكثر انتقاداً حول التأثير المحتمل للجنة الدفاع على مسائل الميزانية[20]. وبالتالي، يميل أعضاء لجنة الدفاع هيكلياً لدعم مشاريع الاستحواذ العسكرية، نظراً لموقفهم الداعم للجيش. وبهذا المعنى، فإن توصيات هذه اللجنة ستكون أقل أهمية بكثير من توصيات لجنة الموازنة.

(ج) المتابعة والتحقيق من طرف اللجان البرلمانية: بالإضافة إلى ما سبق، هناك عنصران يعززان رقابة البوندستاغ على استخدام القوة المسلحة: من خلال اللجنة البرلمانية للدفاع ولجنة الشؤون الخارجية، بحيث تلعب الأولى دوراً أساسياً في تنفيذ الرقابة البرلمانية على استخدام القوة العسكرية في العمليات الخارجية. بحيث تمارس سيطرة فعالة على الحكومة في الشؤون الدفاعية، ليس فقط من خلال التحضير للمناقشات حول الدفاع في البوندستاغ،

وكذلك من خلال الحق في تشكيل لجنة تحقيق يُدعى إليها للحوار مع رئيس أركان القوات المسلحة[21] ؛ وهذه اللجنة مطالبة أيضاً بالتحقيق في أي حقيقة عسكرية إذا طلب ربع أعضائها ذلك (المادة 45 أ). مع 36 عضواً مقسمين إلى 12 نائباً عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي، و8 نواب عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي و16 نائباً معارضاً في ائتلاف الهيئة التشريعية المنتخب في سبتمبر 2017، يلعب الحزب دوراً متعدداً في مراقبة الحكومة في الأمور العسكرية (من خلال المعلومات الصحيحة ومهارات التحقيق)، وتقديم المشورة إلى الجلسة العامة للبوندستاغ بشأن المسائل العسكرية والاتصال بممثل الجيش الألماني في البوندستاغ. في حالة نشر الجنود الألمان خارج أراضي الجمهورية الاتحادية، فإن لجنة الشؤون الخارجية هي أيضاً ترساً رئيسياً، لأنها يجب أن تمنح موافقتها على أي انتشار.

يمتلك البوندستاغ الألماني بالفعل العديد من الأدوات الرسمية للسيطرة على عمل الحكومة. تخضع سلطة الرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية لمجموعة من الحقوق والأدوات المحددة على التوالي في القانون الأساسي، وكذلك في لوائح البوندستاغ. وتشمل هذه الصكوك: الحق في دعوة عضو من الحكومة الاتحادية للاجتماع (المادة 43، الفقرة 1)؛ الاستجواب، مع استجواب الحكومة الفيدرالية (المادة 106 الفقرة 2)، جلسة الأسئلة (المادة 105)، سلطة التحقيق، مع إنشاء لجان تحقيق برلمانية (المادة 44). يحتاج استخدام بعض هذه الأدوات إلى التطوير إلى حد ما.

من صفوة القول، تتمتع القوات المسلحة الألمانية بنظام تمثيل في البوندستاغ من خلال المفوض البرلماني للقوات المسلحة، مما يوفر وصولاً مباشراً إلى البرلمان لا مثيل له عن باقي الدول الأوروبية على الخصوص. وهذا يشكل صلة مباشرة بين المؤسسة العسكرية والساحة البرلمانية، مما يسمح بتبادل المعلومات وأيضاً النظر في الآراء التي تنقلها القوات المسلحة من خلال ممثلها البرلماني.

أداة أخرى للرقابة البرلمانية تتمثل في إنشاء لجنة تحقيق برلمانية. فمن الممكن تشكيل هذه اللجنة من قبل البوندستاغ بناءً على طلب ربع النواب. يقوم البوندستاغ بعد ذلك بتشكيل لجنة وتكليفها بتفويض محدد (المادة 44). هذا النوع من الأدوات مثير للاهتمام بشكل خاص للدفاع: فلجنة الدفاع هي في الواقع اللجنة الوحيدة في البوندستاغ التي يمكنها أن تشكل نفسها لجنة تحقيق برلمانية (المادة 45 أ، الفقرة 2)[22].

تكمن الهيئة الرقابية خارج المؤسسة البرلمانية في إمكانية قيام البرلمان برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية (المادة 61). ويتم ذلك بناء على طلب أغلبية ثلثي النواب لإحالته. ويشكل الاستئناف إلى المحكمة الدستورية أداة رقابية، ليس فقط على مستوى الولايات ضد المستوى الفيدرالي، ولكن أيضاً للمعارضة البرلمانية. فتلعب هذه المؤسسة دوراً مهما في ألمانيا مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، ويرى بعض التحليلات أنها “قيد قضائي” على السلطة التنفيذية.

2: النموذج السويدي (رقابة برلمانية قوية):

تهدف سياسة الدفاع السويدية رسمياً إلى ضمان السلامة الإقليمية للمملكة، وتعزيز قدرات الانتشار في سياق العمليات الخارجية ومساعدة السلطات المدنية في سياق مهام إدارة الأزمات المدنية على الأراضي الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، هدفها هو تعزيز السلام والأمن في منطقة الشمال (الدول الإسكندنافية ودول البلطيق) وفي أوروبا.

منذ عام 1971، كان للسويد مجلس واحد من 349 نائباً ينتخب لمدة 4 سنوات حتى عام 1993، كانت هذه الفترة 3 سنوات بنظام الاقتراع العام المباشر في النظام النسبي. ويتبلور دور الريكسداغ في ممارسة السلطة التشريعية واتخاذ القرارات المتعلقة بالضرائب وميزانية الدولة. كما يفحص العمل الحكومة والإدارات العامة. بالإضافة إلى ذلك، يمارس تأثيرا كبيرا على السياسة الخارجية[23].

في الممارسة العملية، غالبا ما تكون القوانين الجديدة أو تعديل القوانين الحالية نتيجة لمشروع قانون حكومي (بما في ذلك بشأن الميزانية). لكن يمكن أن يأتي مشروع القانون أيضاً من نائب أو أكثر. لذلك يجب فحص جميع الأسئلة التي تم فحصها أو التصويت عليها أو مناقشتها من قبل الريكسداغ بموجب القانون الدستوري مسبقاً في لجنة برلمانية. إذا تم تمرير قانون من قبل البرلمان، فلا يمكن إلغاؤه أو تعديله إلا من خلال البرلمان

الآليات الدستورية المتاحة للبرلمان (الريكسداغ) لممارسة الرقابة على الحكومة في مجال السياسة الدفاعية والأمنية هي كما يلي[24]: يقرر البرلمان مخصصات الميزانية للأنشطة المختلفة، ويقرر الأساس القانوني للأنشطة المختلفة، وتحديد الأهداف السياسية للحكومة، وأن يقرر إنشاء إدارات عامة، وإعطاء مهام محددة للحكومة، كما يمكن للبرلمان الريكسداغ أن يسيطر على السلطة التنفيذية من خلال الاستفسارات، أو من خلال تقديم الملفات المتعلقة بقضايا الدفاع إلى اللجنة الدستورية.

وتتضمن الرقابة البرلمانية على الإدارة الحكومية للشؤون العسكرية بشكل أساسي فيما يتعلق بمخصصات الميزانية وبعض أنشطة القوات المسلحة. هذه السيطرة تمر نسبيا من خلال السلطة التشريعية نفسها. والريكسداغ هو الذي يقرر توجهات الدفاع.[25] لكن هذه ليست ملزمة رسميا للحكومة. يتم تحديد هذه الأهداف من جهة البرلمان كل 3 إلى 5 سنوات من خلال مشاريع قوانين الدفاع ومن جهة أخرى سنويا من خلال التصويت على الميزانية. خلال الحرب الباردة، كانت أهداف السياسة الدفاعية ثابتة إلى حد ما بين مشاريع قوانين الدفاع المتتالية. الآن هم يميلون إلى التغيير أكثر على أساس سنوي.

(أ) مشاركة الجيش خارج نطاق الإقليم السويدي: يمكن للحكومة السويدية إشراك القوات المسلحة مباشرة في عمليات قتالية إذا تعرضت البلاد -للهجوم أو لمنع انتهاك الأراضي في سياق نزاع مسلح بين دولتين أجنبيتين. وبخلاف ذلك، يجب تقديم الاتفاق الصريح للبرلمان، وهو قانون يشرح شروط أشراط القوات المسلحة أو التزام ناشئ عن اتفاق دولي. وتجدر الإشارة، إلى أن الحكومة قد تقرر إرسال قوات حفظ سلام دون موافقة رسمية من البرلمان. ليس هذا هو الحال مع عمليات فرض السلام. لكن من الناحية العملية، أخضعت الحكومة دائما قرار إرسال قوات إلى بعثات حفظ السلام للتصويت في البرلمان السويدي.

بشكل عام، لا تقدم الحكومة مشاريع قوانين إلا إذا كانت متأكدة من الحصول على أغلبية في البرلمان. وبالتالي، تجري المفاوضات بشكل دائم بين الأحزاب والحكومة (أو بين الأحزاب الحكومية إذا كانت حكومة تحالف كما هو الحال آنيا) من أجل تشكيل أغلبية في البرلمان، وتكتسب هذه المفاوضات أهمية خاصة في حالة السياسة الدفاعية، حيث إن الحكومة، تقليديا، تحاول أن تبني سياستها الخارجية والأمنية على إجماع سياسي واسع يتجاوز الأغلبية البرلمانية وحدها، ليشمل أيضا المعارضة.

(ب) اللجان الرقابية (لجنة الدفاع): من بين اللجان البرلمانية المختلفة، تعتبر لجنة الدفاع نسبياً من أهم اللجان البرلمانية. بحيث تضم 17 نائباً “عادياً” (بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس) و17 نائبا. بالإضافة إلى ذلك، يقوم 6 مسؤولين غير سياسيين بمساعدة أعضاء اللجنة، ولا سيما في مسائل البروتوكول والعثور على الخبراء الذين يحتاجهم الأعضاء لإنجاز عملهم[26].

وتختص لجنة الدفاع بفحص الأسئلة المتعلقة من بينها: الدفاع العالمي؛ الأمن المدني، ولا سيما المسائل الواقعة ضمن اختصاص وكالة الحماية المدنية والوقاية، وقضايا الأمن والحماية المتعلقة بالتقنيات النووية.

يمكن لأعضاء لجنة الدفاع أن يطلبوا استجواب أي مسؤول دون الحصول على إذن من الحكومة. كما لا يوجد حد لما يمكن مناقشته ولأي مدة. أعضاء البرلمان لا يخضعون لأي فحص أمني معين حتى يكونوا قادرين على أن يكونوا أعضاء في اللجنة ولهم حق الوصول إلى الوثائق السرية. ومع ذلك، يجب عليهم التوقيع على وثيقة تنص على أنهم سيحترمون مبدأ السرية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن هناك درجات مختلفة من السرية، ومن الناحية النظرية يمكن للحكومة أن ترفض تقديم المعلومات لأسباب تتعلق بالسرية في الممارسة العملية.

كما هو الحال في جميع اللجان الأخرى، فإن العمل في لجنة الدفاع ليس علنيا. هذا يجعل من السهل إيجاد حل وسط بين الأطراف المختلفة الموجودة هناك. ومع ذلك، يمكن لأي لجنة أن تقرر أن المناقشة ستكون علنية. جرت الكثير من المناقشات وجلسات الاستماع العامة في لجنة الدفاع منذ إدخال هذا المبدأ في عام 1988.

وفي يوليو 1976، قرر الريكسداغ، إنشاء مجلس استشاري للاستخبارات العسكرية لممارسة الرقابة على أجهزة المخابرات العسكرية. ينص قرار البرلمان على أن “رجال الثقة” سيكون لهم مهمة المراقبة المستمرة لأنشطة المخابرات العسكرية. يمكن للمجلس التحقيق وتقديم التوصيات إلى قائد القوات المسلحة أو الحكومة[27].

(ج) سلطات البرلمان وميزانية الدفاع: يعمل البرلمان السويدي بنوعين من الميزانية. تكون المرحلة الأولى، في أبريل من كل عام، تقدم من خلالها الحكومة إلى البرلمان خطة مالية توضح بالتفصيل توقعات ميزانيتها للعام المقبل. ثم يتم توجيه الأخير لاتخاذ قرار بشأن الحد الأقصى للإنفاق العام للسنوات الثلاث المقبلة. هذه عتبة إرشادية يمكن تغييرها. يمكن للنواب دائماً تقديم مقترحات مضادة لمشروع الحكومة. تقوم لجنة المالية بمعظم أعمال الموازنة، ولكن يجب على كل لجنة أن تعطي وجهة نظرها في مجال اختصاصها. ولجنة الدفاع ليست استثناء في هذا الصدد. يصدر القرار من قبل البرلمان السويدي في يونيو من كل عام. ويتضمن القرار، بالإضافة إلى الحد الأقصى للإنفاق العام للسنوات الثلاث المقبلة، توقعات مفصلة للإنفاق للعام المقبل[28].

تبدأ المرحلة الثانية في 20 سبتمبر بمشروع ميزانية الحكومة للعام المقبل. بمجرد تقديم هذا المشروع إلى الريكسداغ، لم يعد للحكومة الحق في تقديم المزيد من مشاريع الإنفاق أو الإيرادات. وبعد مناقشات في الغرفة وأعمال اللجان المختلفة، يتم اتخاذ القرارات بشأن المبلغ الإجمالي لمخصصات الموازنة المختلفة، وكذلك بشأن المبلغ الإجمالي لموازنة العام المقبل، في نهاية شهر نوفمبر. يتم الانتهاء من تقارير اللجان المختلفة، التي توضح بالتفصيل التوزيع الدقيق للنفقات، وفي بداية شهر ديسمبر. يتم تسليم الميزانية النهائية للسنة المقبلة إلى الحكومة قبل أيام قليلة من عيد الميلاد. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن للحكومة تقديم تغييرات في موازنة العام المالي، في شهري أبريل وسبتمبر، خاصة في حال وجود مصاريف غير متوقعة[29].

هناك 500 بند مختلف في الموازنة العامة للدولة. يتم تجميع هذه في 50 “مجالات السياسة. من خلال التصويت على مخصصات الميزانية لمختلف “مجالات السياسة”، بما في ذلك الدفاع، يُطلب من البرلمان أيضا تحديد الأهداف والنتائج المرجوة من ذلك. من خلال سلطته في الميزانية، يمارس البرلمان (الريكسداغ) أيضاً تأثيراً على أهداف السياسة الدفاعية.

3: النموذج التشيكي (رقابة برلمانية متوسطة):

تُعرف الجمهورية التشيكية السياسة الأمنية بأنها مجموعة من التدابير التي تضمن بواسطتها الدولة أمنها الداخلي والخارجي. ولذلك تعتبر التشيك اتباع استراتيجية شاملة في إطار السياسة الأمنية من أولويات عمل الدولة. بحيث تعتبر الأخيرة الفاعل الرئيسي والضامن لأمن كياناتها وسلامة أراضيها ومواطنيها من أي تهديد أو اعتداء خارجي.

وتهدف الاستراتيجية الأمنية للجمهورية التشيكية إلى خفض مستويات او تقليل المخاطر التي يتعرض لها سكان أو مصالح الدولة إلى الحد الأدنى، وتكون الأجهزة التي تنفذ هذه الاستراتيجية مجهزة بشكل فعال وكاف وعلى استعداد للقضاء على جميع التهديدات[30].

وقد شهدت السياسة الدفاعية والأمنية لجمهورية التشيك تطورا كبيرا منذ إعادة تأسيسها في العام 1989، وقد ساهم انضمامها إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في تفعيل هذه السياسة عبر إدخال إصلاحات عميقة وسريعة على منظومة الدفاع والأمن، لكن بالمقابل بقي الأداء الإداري والمالية للمؤسسات الأمنية-الدفاعية على هامش الإصلاحات التي شهدها هذا القطاع وذلك بفعل عدم التوازن بين توزيع صلاحيات المؤسسات التنفيذية والتشريعية على مستوى مجالات الأمن والدفاع.[31]

ويعتبر تحديد مبادئ السياسة الأمنية بشكل عام مسألة تدخل من اختصاصات السلطة التشريعية ومسؤولية تنفيذها توكل للحكومة، ولا سيما الوزارات ذات الاختصاص الدفاع والداخلية والعدل.

(أ) مشاركة الجيش خارج نطاق الإقليم التشيكي: لدى البرلمان التشيكي صلاحية وسلطة اتخاذ القرار بشأن إرسال القوات المسلحة التشيكية إلى الخارج، وفي نفس الوقت السماح للقوات المسلحة الأجنبية البقاء داخل الحدود التشيكية، كما يقرر البرلمان إمكانية الانضمام أو المشاركة في التكتلات الدفاعية الجماعية.

كما يتمتع البرلمان التشيكي بسلطة الموافقة أو التأشير على القوانين التي تخص الجانب الأمني-العسكري، كما له سلطة اتخاذ القرار المشترك مع باقي السلطات فيما يتعلق السياسة الأمنية[32].

(ب) اللجان الرقابية: يراقب البرلمان عبر لجانه المتخصصة كلجنة الدفاع والأمن في مجلس النواب ولجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن في مجلس الشيوخ مهام وأعمال الحكومة، بحيث تناقش اللجنتان مشاريع القوانين التي تهم أمن وسلامة البلاد، ومشروع قانون المالية الأولي ومشروع قانون التنظيم في ما يتعلق بوزارة الدفاع (مجلس النواب فقط)، ومشاريع القوانين المتعلقة بالاتفاقيات الدولية الخاصة بالحد من التسلح، وإرسال القوات المسلحة إلى الخارج، وبقاء القوات المسلحة الأجنبية في الإقليم التشيكي، والعقود والمشتريات العامة للقوات المسلحة، بالإضافة إلى المعلومات حول حالة القوات المسلحة ومعداتها وخطط تحديثها.

ورغم كل ذلك، فإن هذه اللجان لا تمارس صلاحياتها إلا بشكل جزئي، بحيث أن الواقع يظهر أن سلطات الرقابة البرلمانية غير متطورة بالشكل الكافي مثلا ليس لها صلاحية اتخاذ القرار فيما يخص المشتريات العامة للقوات المسلحة في حالة العقود الضخمة أو الكبرى، ويبقى أمر مراقبة وفحص الفصل المتعلق بوزارة الدفاع في قانون المالية الأولي، وكذلك في قانون التنظيم تشوبه مجموعة من المعوقات والعقبات، وذلك راجع إلى أنه لا يوجد مقياس تقييم متماسك يجعل من الممكن ربط النتائج بالوسائل أو الموارد المستثمرة. ولذلك فيشكل محدودية الرقابة البرلمانية أحد أبرز نقاط الضعف في النظام الأمني التشيكي.

وبالموازاة مع اللجان السابقة، شكل البرلمان لجان فرعية متعددة وهي متفرعة عن اللجان الكبرى، مثل لجنة الدفاع والأمن وهي لجنة فرعية متخصصة بالأنشطة الإعلامية ولجنة فرعية لنظام الإنقاذ المتكامل والتخطيط للطوارئ، كما تم تشكيل لجان خاصة مثل الهيئة الدائمة للرقابة على جهاز المعلومات والأمن، والهيئة الدائمة لمراقبة استخبارات الدفاع العسكري، والهيئة الدائمة لمراقبة استخدام التقنيات التشغيلية للشرطة[33].

ومن كل ذلك، فقد هدفت السياسة التشيكية في مجال الأمن والدفاع إلى تحقيق توازن بين تحقيق الأهداف من خلال درء المخاطر والتهديدات وبين الإصلاحات الإدارية والمالية في هذا المجال، لكن على الرغم من كل هذه الإصلاحات التي تم إدخالها في هذا القطاع إلا أنها بقيت محدودة إلى حد ما، بالموازاة مع أهمية هذا المجال الذي يعتبر من المجالات الحيوية والأكثر أهمية لدى الدول، ومن أجل الرفع من أداء هذه المنظومة فلا بد من زيادة مستوى الرقابة البرلمانية الذي لا يزال غير كاف، عبر ربط تخصيص الموارد بالأهداف والمؤشرات المراد تحقيقها وذلك عن طريق ممارسة الصلاحيات الفعلية للمؤسسة البرلمانية في مجال الأمن والدفاع التي يمنحها لها الدستور، وذلك في سبيل الرفع من مؤشرات الشفافية والجودة التي تعتبر من الأدوات الأساسية لضمان أداء استراتيجي فعال في مجال الأمن والدفاع عبر التفاعل بين عمل المؤسسة التنفيذية والبرلمانية.

4: النموذج الإسباني (رقابة برلمانية ضعيفة):

أدى الدور الذي لعبته القوات المسلحة عهد نظام فرانكو Franco والحفاظ عليه إلى ظهور طرق محددة للرقابة على سياسة الدفاع في إسبانيا. بحيث أن هذا البعد لا يخلو من التأثير على طريقة تنظيم العلاقات بين البرلمان والحكومة في هذا المجال، إلا أنه يعكس ضعف دور الرقابة البرلمانية على القوات المسلحة. كما هو الحال في دول أوروبية أخرى، فإن الدور الذي يلعبه النواب الإسبان في هذا الشأن يتحدد قبل كل شيء من خلال ميزان القوى الذي يبني العلاقات بين المجموعات التي تدعم الحكومة وتلك التي تعارضها[34].

ومن هذا المنطلق. يؤكد الواقع الإسباني على المكانة الهامشية التي يحتلها البرلمان في مجال السياسة الدفاعية. ويرجع ذلك إلى الظروف التاريخية الخاصة التي تطورت فيها العلاقات بين البرلمان والحكومة في مجال الدفاع، بالإضافة إلى الممارسات الملموسة التي نفذها المسؤولين المنتخبين.

وقد تأثر الدور الذي لعبته السلطة التشريعية في السياسة الدفاعية بشدة في إسبانيا بسياق التحول الديمقراطي والحاجة إلى ضمان رقابة السلطة السياسية المدنية على السلطات العسكرية. في الواقع، تم ضمان إنشاء وزارة الدفاع المدني، منفصلة لأول مرة بمرسوم عام 1977[35]. وظلت تحت سلطة المجلس العسكري -رؤساء الأركان- حتى منتصف الثمانينيات.

ومن هذا المنطلق، يجب تفسير المادة 97 من دستور ديسمبر 1978[36]، والتي تنص على أن ” تسير الحكومة السياسة الداخلية والخارجية للدولة والإدارة المدنية والعسكرية، وتضطلع بمهمة الدفاع عن الدولة. وتقوم بدور السلطة التنفيذية والسلطة التنظيمية وفقاً لما ينص عليه الدستور والقوانين.

وبالتالي، فإن تحديد صلاحيات الحكومة في مسائل سياسة الدفاع يهيمن عليه أولاً وقبل كل شيء نقاش يتعلق بشكل أساسي بتوزيع المهام والمسؤوليات بين رئيس الحكومة ووزير دفاعه، من جهة، والعلاقات مع مختلف القادة العسكريين، من ناحية أخرى. من هذا المنظور، يمنح قانون 5 يناير 1984 صراحة[37]، بتفويض من رئيس الحكومة، توجيه وتنسيق سياسة الدفاع لوزير الدفاع، ويكرس بشكل نهائي دور الخبرة في قيادة وتحمل المسؤولية فيما يخص سياسة الدفاع.

لذلك، فإن النقاش والتجاذبات حول توجهات السياسة الدفاعية في إسبانيا تهيمن عليها صفة الخصوصية التي ينبغي الاعتراف بها مقارنة مع قطاعات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق يتم التطرق إلى دور البرلمان. بالإشارة إلى “سياسة الدفاع الخارجية” [38]، وهو المصطلح الذي يحدد من خلاله جوانب من السياسة الدفاعية غير تلك المتعلقة بتنظيم القوات أو معداتها، ويعترض هذا الدور العديد من الصعوبات حسب “Antonio Remiro Brotons”، خصوصا فيما يتعلق بالتنسيق الضروري للإجراءات الحكومية الداخلية المتعلقة بأمن الدولة. وبالمقابل يجب الحفاظ على الارتباط بين السياسة الخارجية وسياسة الدفاع.

(أ) سلطات البرلمان في العمليات العسكرية خارج الإقليم: القانون الأساسي رقم 5/2005 الصادر في 18 نوفمبر [39]2005، أعاد تحديدا عميقا لسلطات البرلمان في مسائل العمليات الخارجية. ويشير إلى التغييرات التي طرأت على السياق الدولي منذ الثمانينيات، وإلى حدود زيادة مهام التدخل أو حفظ السلام أو المساعدات الإنسانية التي تواجهها القوات المسلحة الإسبانية، والتي تتطلب إدراج هذه العمليات في القانون. وأن يتم تحديد دور البرلمان في تفويضها بشكل أفضل. ومن هذا المنظور، فإن الباب الثالث من القانون، المعنون بـ “مهام القوات المسلحة والرقابة البرلمانية” مكرس بالكامل لهذه المسألة. وتنص المادة 17 على أنه[40]: من أجل “الأمر بعمليات خارجية لا ترتبط مباشرة بالدفاع عن إسبانيا أو المصلحة الوطنية، فإن الحكومة ستجري مشاورات مسبقة وتطلب تفويضاً من مجلس النواب”، بينما تنص المادة 18 على ما يلي[41]: “تقوم الحكومة بإبلاغ مجلس النواب بانتظام، مرة واحدة على الأقل في السنة، بتطور عمليات القوات المسلحة في الخارج”.

(ب) دور البرلمان فيما يخص ميزانية الدفاع ومراقبة مجال التسلح: إن دور البرلمان فيما يخص شؤون الميزانية، ليس محصناً من القيود التي تؤثر على الرقابة التي يُرجح أن يمارسها على السياسة الدفاعية للحكومة. هذه القيود قوية بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بمراقبة برامج التسلح[42].

تقدم الميزانية كل عام إلى البرلمان، الذي يصوت على محتواها. إن لجنة الدفاع ليس لها صلاحيات خاصة في هذا الشأن. ومثل اللجان الأخرى، ينحصر دورها في إمكانية الاستماع إلى وزراء الخارجية أو كبار المسؤولين أو الأفراد العسكريين الذين من المحتمل أن يبرروا الميزانية المخصصة لسياسة الدفاع، والوزير نفسه يتحدث فقط في جلسة عامة. يتم استخدام هذا الاحتمال على نطاق واسع من قبل أعضاء البرلمان، الذين يمثل التصويت على ميزانية وزارة الدفاع في كثير من الأحيان الفرصة الرئيسية للاستماع إلى ممثلي الحكومة حول السياسات الدفاعية. ومع ذلك، فإن فعالية هذه الرقابة لا تزال محدودة. نظرا لأن وسائل المعلومات المتاحة للنواب لتقويم المشروع المقدم من الحكومة تبقى ضعيفة.

كان إنشاء مكتب مراقبة الموازنة، والذي يمكن لكل لجنة الاتصال به الحصول على تقييم للأنشطة المنفذة مع جزء من المالية العامة المقدم للموافقة عليها، موضوع نقاش متكرر منذ الثمانينيات. ولكن الفكرة لم تنجح. ليمتد في حالة لجنة الدفاع من خلال التفكير في ضرورة إشراك مزيد من الجنود في هذه المراقبة والحصول على حضور متزايد لممثلي القوات المسلحة خلال جلسات الاستماع المخصصة للميزانية داخل لجنة الدفاع. ومع ذلك، فإن هذه التطورات المتلاحقة بقيت محدودة وغير ناجعة [43].

حدود الرقابة على الميزانية التي يقوم بها أعضاء البرلمان كانت لها تداعيات على مراقبة سياسات التسلح. التي لا يزال في الواقع غير فعالة وشكلية. إن مفهوم الموازنة ذاته، والذي يُطلب في إطاره من النواب التصويت على أبوابه، يشكل أحد أبرز القيود. بالإضافة إلى ذلك، فإن الصلاحيات المحدودة المتاحة للبرلمان تسير في نفس الاتجاه: الخيارات من حيث تجهيز القوات المسلحة، وإطلاق البرامج وغيرها، تقع حصريا ضمن اختصاص الحكومة على عكس ما يحدث في دول أوروبية أخرى، وبالتالي عدم لعب نواب البرلمان دورا فعالا وحقيقيا في هذا الموضوع[44].

ومن مجمل القول، فإن الرقابة التي يمارسها النواب الإسبان على السياسة الدفاعية التي تنفذها الحكومة، على الرغم أنها ظاهريا تشير إلى ممارسة متطورة نسبيا، فإنها تبقى محدودة النطاق. بحيث يبدو أن حدود الرقابة البرلمانية على القوات المسلحة تنبع من عوامل سياسية واجتماعية. نتيجة التحديات التي يواجهها المسؤولون المنتخبون في تحقيق عائد سياسي على استثمار في هذا النوع من الممارسات، وتكلفة اكتساب الخبرة في هذا الشأن، والافتقار النسبي للاهتمام بالمسائل العسكرية في المجتمع الإسباني، كل هذه العوامل تساهم فعليا في تحويل الأعضاء عن الاستخدام الكامل للسلطات المخولة لهم.

5: النموذج الفرنسي (رقابة برلمانية ضعيفة جدا):

المؤسسة الأمنية في فرنسا خصوصا العسكرية منها لها موقع خاص داخل الدولة، نظرا لارتباطها الوثيق بالسلطة السياسية العليا، ويعتبر رئيس الجمهورية هو رئيس أركان القوات المسلحة ويرأس كذلك المجالس واللجان العليا للدفاع الوطني وذلك طبقا للمادة 15 من الدستور الفرنسي[45]، أما الحكومة وبالإحالة لمنطوق المادة 20 يوكل لها مهام ممارسة سياسة الدفاع الوطنية وتكون القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية تحت تصرفها[46].

(أ) العمليات العسكرية خارج الحدود: واقعيا، وعلى غرار باقي التجارب فإن المؤسسات الأمنية والعسكرية وقبل التعديل الدستوري 2008، لم تكن للمؤسسة البرلمانية لها الحق في إبداء الرأي والإقرار في المسائل العسكرية وبالخصوص ما يتعلق بالعمليات خارج الحدود الفرنسية، باستثناء الحالة المحددة لإعلان الحرب طبقا للمادة 35 من الدستور.

ومع ذلك، فإن المادة 35 الجديدة من الدستور المعدل 2008، تهدف إلى إعادة توازن مؤسسات الجمهورية الخامسة من خلال جعل التصويت في البرلمان أمرا طبيعيا فيما يتعلق بالعمليات العسكرية، بحيث تنص هذه المادة على أنه:[47]” تقوم الحكومة بإبلاغ البرلمان بقرارها بأن تقوم القوات المسلحة بالتدخل في الخارج، على الأكثر خلال ثلاثة أيام بعد ثلاثة أيام من التدخل، وتقوم بالتفصيل حول الأهداف المنشودة منه ، كما تقود هذه المعلومات إلى نقاش لا يتبعه تصويت، وفي حالة تجاوز مدة التدخل 4 أشهر، تقدم الحكومة طلب التمديد للحصول على تفويض، وقد تطلب من الجمعية الوطنية اتخاذ القرار النهائي..”.

لكن وعلى الرغم من التعديل الدستوري للعام 2008 فإن اختصاص البرلمان بقي محدودا. إذ أنه على الرغم من إعطاءه أحقية التصويت فيما يخص التدخل العسكري أو تمديده فإن الأمر يجري في سياق سياسي معين، فمثلا جرى التصويت في 21 سبتمبر 2008 على قرار تمديد تفويض الجيش الفرنسي في أفغانستان لكن ذلك جاء عقب مقتل 10 جنود فرنسيين في أفغانستان في أغسطس 2008. ومنذ ذلك الحين استطاع البرلمان الفرنسي التصويت على تمديد التدخل العسكري في مالي وليبيا على وجه الخصوص. وعلى الرغم من ذلك فإن مردودية العمل البرلماني فيما يخص المسائل العسكرية تبقى مقيدة نظرا لضعف العمل البرلماني في المجال الأمني-العسكري[48].

(ب) اللجان الرقابية وميزانية الدفاع: يمكن للبرلمان الفرنسي تشكيل لجان برلمانية للتحقيق، وتعتبر لجنتي الدفاع والمالية من أهم اللجان المكلفة بمراقبة مسائل الدفاع والأمن، وذلك على الرغم من محدودية أدوارها، وعادة ما يتكون أعضائها من منتخبين على دراية مهمة بقضايا الدفاع.

منذ 2015 وفي إطار عملية الرقابة الداخلية، تعقد جلسات استماع للفاعلين في حقل الأمن والدفاع، لكن بالمقابل لا تملك هذه اللجان الحق في استدعاء رئيس أركان القوات المسلحة للمثول أمامها إذا لم تؤشر وزارة الدفاع موافقتها على ذلك. هذا الضعف البرلماني في مجال الدفاع مسـألة تفضلها الحكومة، بحيث ليس لها نية لتشجيع الروابط بين المؤسسة العسكرية والبرلمان. وذلك لتبقى هي صاحبة السيطرة واليد العليا في هذا المجال[49].

ومع ذلك، فإن البرلمان الفرنسي لديه أدوات تمكنه من ممارسة ليس رقابة حقيقية بل مراقبة مقيدة ومحدودة في قضايا الدفاع وبالأخص فيما يتعلق باستخدام القوة. إذ أنه بالإضافة إلى الأسئلة الشفوية والكتابية الموجهة للحكومة والتي قد تتعلق بأي موضوع من مواضيع المصلحة العامة، المدرجة في مسائل الدفاع، يمكن للبرلمانيين تنظيم مناقشة حول موضوع معين طبقا للفقرة الأولى من المادة 50 من الدستور[50]، كما بإمكانهم أيضا، وبأغلبية بسيطة، تشكيل لجنة تحقيق في مسائل الدفاع[51]، وتلعب لجنة الدفاع بل دورا مهما هنا من خلال عقد جلسات استماع لكبار مسؤولي الدفاع[52]، من خلال القدرة على إطلاق مهمة تقصي الحقائق أو تحقيق، و إنتاج تقارير عديدة في مسائل الدفاع. كما يقوم نوابها البالغ عددهم 71 بزيارات منتظمة للقوات في الميدان ، مثل زيارة القوات الفرنسية في مالي في نوفمبر 2016 على سبيل المثال، أو زيارات متكررة للجنود من قبل لجنة الدفاع[53].

أما فيما يخص ميزانية الدفاع، فإن البرلمان يصوت على قوانين المالية التي تخص ميزانية الدفاع وقوانين البرمجة العسكرية لمدة خمس سنوات طبقا للمادة 34 من الدستور الفرنسي[54]. لكن على الرغم من ذلك فلا يمكن له أن يؤثر على خيارات ميزانية الحكومة فيما يخص ميزانية الدفاع[55].

ومن كل ذلك، تبقى لجنة الدفاع الحلقة الأكثر رمزية الرقابة البرلمانية في غياب رقابة حقيقية فاعلة سابقة على المسائل العسكرية خصوصا فيما يتعلق باستخدام القوة والعمليات الخارجية. فيما يقتصر دور اللجان تبلورت فقط في التصويت على الميزانية أو تمديدات الميزانية التي تطلبها الحكومة.


الهامش

[1] – Ilja Luciak: Place du genre dans le contrôle parlementaire du secteur de la sécurité, Centre pour le contrôle démocratique des forces armées – Genève (DCAF), 2008, P : 1, Disponible sur le lien suivante : lien

[2]: Idem, P: 2.

[3] – Hans Born, Philipp Fluri, Simon Lunn (Eds.) : Contrôle et Orientation: La Pertinence du Contrôle Parlementaire pour le Secteur de la Sécurité, Centre de Genève pour la gouvernance du secteur de la sécurité, 2012, P : 6-7. Disponible sur le lien suivant : lien

[4]– Idem, P :7

[5]– Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe, Rapport d’étude pour le C2SD. 2009, P : 8. Disponible sur le lien suivant : lien

[6]– Hans Born, Philipp Fluri, Simon Lunn (Eds.) : Contrôle et Orientation: La Pertinence du Contrôle Parlementaire pour le Secteur de la Sécurité, Op.Cit, P : 7-8.

[7] – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe, Op.Cit, P: 28-29.

[8] – المادة 45-ب، القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[9] – بهاء الدين السعدي: الرقابة البرلمانية على أداء الأجهزة الأمنية، تقرير صادر عن الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، 2005، ص: 33:

[10] – المادة 45 د من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[11]-المادة 87-أ من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[12] – المادة 24 من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[13] – Delphine Deschaux-Dutard: Usage de la force militaire et contrôle démocratique : le rôle des arènes parlementaires en France et en Allemagne; Revue internationale de politique comparée,Op.Cit, P.P: 209

[14] – المادة 87 من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[15] – المادة 1 -الفقرة 2، قانون المشاركة البرلمانية عند اتخاذ قرار بشأن الاستخدام القوات المسلحة في الخارج، 2005، متوفر بالنص الأصلي على الرابط التالي: الرابط

[16] – المادة 2 -الفقرة 1، المصدر نفسه.

[17] – المادة 3، المصدر نفسه.

[18]– المادة 3، المصدر نفسه.

[19] Delphine Deschaux-Dutard: Usage de la force militaire et contrôle démocratique : le rôle des arènes parlementaires en France et en Allemagne; Revue internationale de politique comparée,Op.Cit, P.P: 210-211.

[20] – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe, Op. Cit. P : 134-135, Disponible sur le lien suivant : https://hal.archives-ouvertes.fr/hal-02290568/document

[21]– المادة 45-أ من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[22]– أنظر في ذلك المواد المخصصة للرقابة البرلمانية على مجال الدفاع ضمن القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وفق التعديل الأخير للعام 2019، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

وأيضا:

Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, P : 116-117, Disponible sur le lien suivant : lien

[23] – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, P : 163, Disponible sur le lien suivant : lien

[24]– Idem, P : 165.

[25]– Idem, P: 166.

[26] – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, , P :167-168. Disponible sur le lien suivant : lien

[27] -Idem, P: 168.

[28] – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe, Op. Cit, P :170. Disponible sur le lien suivant : lien

[29]– Idem, P: 171.

[30] – Pavla DANIŠOVÁ: La Politique De Sécurité Et De Défense De La République Tchèque, Ecole Nationale et d’administration, 2007, P : 4-5.

[31] – Idem, P: 8-9

[32] – Idem, P: 34-35.

[33] – Idem, P: 35-36.

[34] – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, P : 139, Disponible sur le lien suivant : lien

[35] -Idem, PP: 142-143.

[36] – El texto original del artículo 97 de la Constitución española de 1978″ El Gobierno dirige la política interior y exterior, la Administración civil y militar y la defensa del Estado. Ejerce la función ejecutiva y la potestad reglamentaria de acuerdo con la Constitución y las leyes. Disponible en el siguiente enlace: Enlace

[37] – Ley Orgánica 1/1984, de 5 de enero, de reforma de la Ley Orgánica 6/1980, de 1 de julio, por la que se regulan los criterios básicos de la defensa nacional y la organización militar. Disponible en el siguiente enlace:  Enlace

[38]– – Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, P : 142-143, Disponible sur le lien suivant : Enlace

[39] – Ley Orgánica 5/2005, de 17 de noviembre, de la Defensa Nacional, Disponible en el siguiente enlace: Enlace

[40] – El texto original del artículo 17 de Ley Orgánica 5/2005, de 17 de noviembre, de la Defensa Nacional

Para ordenar operaciones en el exterior que no estén directamente relacionadas conla defensa de España o del interés nacional, el Gobierno realizará una consulta previa yrecabará la autorización del Congreso de los Diputados.

En las misiones en el exterior que, de acuerdo con compromisos internacionales,requieran una respuesta rápida o inmediata a determinadas situaciones, los trámites deconsulta previa y autorización se realizarán mediante procedimientos de urgencia quepermitan cumplir con dichos compromisos.

En los supuestos previstos en el apartado anterior, cuando por razones de máximaurgencia no fuera posible realizar la consulta previa, el Gobierno someterá al Congreso delos Diputados lo antes posible la decisión que haya adoptado para la ratificación, en su caso.

[41]– El texto original del artículo 18 de Ley Orgánica 5/2005, de 17 de noviembre, de la Defensa Nacional ” El Gobierno informará periódicamente, en un plazo en ningún caso superior a un año, al Congreso de los Diputados sobre el desarrollo de las operaciones de las Fuerzas Armadas en el exterior”.

[42]– Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, P : 157, Disponible sur le lien suivant : Lien

[43]– Idem, P: 157-158.

[44]– Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe,Op.Cit, P : 161, Disponible sur le lien suivant : Lien

[45]– Article 15 Loi constitutionnelle n° 2008-724 du 23 juillet 2008 de modernisation des institutions de la Ve République.” Le Président de la République est le chef des armées. Il préside les conseils et comités supérieurs de la Défense nationale”.

[46]– Article 20 de la constitution française:

– Le Gouvernement détermine et conduit la politique de la Nation.

– Il dispose de l’administration et de la force armée.

– Il est responsable devant le Parlement dans les conditions et suivant les procédures prévues aux articles 49 et 50.

[47] – Article 35 de la constitution française : “La déclaration de guerre est autorisée par le Parlement.

Le Gouvernement informe le Parlement de sa décision de faire intervenir les forces armées à l’étranger, au plus tard trois jours après le début de l’intervention. Il précise les objectifs poursuivis. Cette information peut donner lieu à un débat qui n’est suivi d’aucun vote.

Lorsque la durée de l’intervention excède quatre mois, le Gouvernement soumet sa prolongation à l’autorisation du Parlement. Il peut demander à l’Assemblée nationale de décider en dernier ressort.
Si le Parlement n’est pas en session à l’expiration du délai de quatre mois, il se prononce à l’ouverture de la session suivante”.

[48]-Delphine Deschaux-Dutard: Usage de la force militaire et contrôle démocratique : le rôle des arènes parlementaires en France et en Allemagne; Revue internationale de politique comparée, Op.Cit, P.P: 213-214.

[49]– Idem, P: 215-214.

[50] – Article 50-1 de la constitution française: Devant l’une ou l’autre des assemblées, le Gouvernement peut, de sa propre initiative ou à la demande d’un groupe parlementaire au sens de l’article 50-1, faire, sur un sujet déterminé, une déclaration qui donne lieu à débat et peut, s’il le décide, faire l’objet d’un vote sans engager sa responsabilité.

[51] – Article 140 De Règlement De L’assemblée Nationale, Ordonnance N° 58-1100 Du 17 Novembre 1958 Relative Au Fonctionnement Des Assemblées Parlementaires, Modifie 2009-2014.

1-Les propositions de résolution tendant à la création d’une commission d’enquête sont renvoyées à la commission permanente compétente. Celle‑ci vérifie si les conditions requises pour la création de la commission d’enquête sont réunies et se prononce sur son opportunité.

2-En cas de mise en œuvre de l’article 141, alinéa 2, la commission vérifie si les conditions requises pour la création de la commission d’enquête sont réunies, sans se prononcer sur son opportunité. Aucun amendement n’est recevable.

[52] –  Article 45 De Règlement De L’assemblée Nationale, Ordonnance N° 58-1100 Du 17 Novembre 1958 Relative Au Fonctionnement Des Assemblées Parlementaires, Modifie 2009-2014.

     -Les Ministres Ont Accès Dans Les Commissions ; Ils Doivent Etre Entendus Quand Ils Le Demandent.

     -Le Bureau De Chaque Commission Peut Demander L’audition D’un Membre Du Gouvernement.

[53] – Delphine Deschaux-Dutard: Usage de la force militaire et contrôle démocratique : le rôle des arènes parlementaires en France et en Allemagne; Revue internationale de politique comparée, Op.Cit, P.P: 215.

[54] –  Article 34 de la constitution française.

[55] – Delphine Deschaux-Dutard: Usage de la force militaire et contrôle démocratique : le rôle des arènes parlementaires en France et en Allemagne; Revue internationale de politique comparée, Op.Cit, P.P: 213-214.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close