fbpx
دراسات

أركان الجيش الإسرائيلي: الخطط والتحديات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ملخص الدراسة

سعت الدراسة إلى التعرف على الخطط الأركانية للجيش الإسرائيلي التي تقر كل خمس سنوات، وترسم من خلالها أهداف السياسة العسكرية، وآليات تطبيقها ومجالات استخدام القوة العسكرية التي تتناسب مع طبيعة التحديات التي يواجها الكيان الصهيوني.

وضحت الدراسة مسار بناء القوات وطرق تشغيلها، كما بينت لماذا هناك قفزات متناقضة في المفاهيم والخطط العسكرية الإسرائيلية، ولماذا يكثر الحديث حول اعتبار القوات البرية نقطة ضعف أساسية في الأداء العسكري، وهل للجدل الدائر حول جاهزية الجيش الإسرائيلي علاقةً بتطور قدرات المقاومة.

اعتمدت الدراسة على عدة مناهج علمية، كالمنهج التاريخي للدلالة على تتبع السلوك العسكري الإسرائيلي منذ عدة عقود حتى وقتنا الحاضر، بجانب المنهج الوصفي التحليلي في دراسة الظواهر ووصفها وصفاً دقيقاً، بالتطرق لدراسة السلوك الإسرائيلي تجاه المقاومة وتعدد التحديات التي يواجها الكيان الصهيوني في ظل التحولات الجيوسياسية وتداعياتها على الكيان الصهيوني.

توصلت الدراسة إلى جملة من النتائج من أهمها، أنه في غضون عقدين خضعت السياسة العسكرية إلى خمس مراجعات متتالية، كان واضحاً فيها التركيز على التفوق الجوي، وانعكس ذلك تدريجياً على إهمال للقوات البرية، وأن أبرز ما في الرؤية الاستخباراتية الإسرائيلية الراهنة هو عدم قدرتها على ادعاء الوضوح في استشراف مجريات الأمور، بسبب التغييرات المتسارعة في خريطة التهديدات. وأن المقاومة شكلت عنصراً مهماً من عناصر تراجع جاهزية الجيش الإسرائيلي وضعف قواته البرية، بتطوير قدراتها القتالية.

مقدمة:

شهد العالم خلال القرن الماضي ظهور قوى عسكرية وانهيار أخرى لعدة أسباب، يقول المؤرخون العسكريون إن أبرزها كان وجود خلل في فهم الجيوش لعقيدتها العسكرية، بصورة عرضتها لتبعات كارثية.

فلأزمان طوال كانت أعناق ساسة إسرائيل تتطاول زهواً بـ “الجيش الذي لا يقهر”، فهم يرون في القوات البرية، اللبنة الأساسية في بناء الجيش الإسرائيلي، ذلك أنها ولدت من رحم الإرهاب الصهيوني، دفاعاً عن محطاته الاستيطانية، التي انتشرت إلى جانب الكيبوتسات، هنا وهناك على أرض فلسطين قبيل عام 1948، ومن ثم تطورت هذه القوات، لتغدو أداة المهمات الخاصة، والمتميزة واتخذت ألويتها مسميات معينةً، وأحيط منتسبوها بهالات الاقتدار والعمل الصعب.

كما نبعت أهمية القوات البرية في الجيش الإسرائيلي، من خلال الضرب على إيقاع “النوع” الذي يترتب عليه مواجهة “الكم” وهي بضاعة برع قادة العسكر الإسرائيليون في ترويجها وتسويقه، في عهود ماضية، بيد أنها اليوم تشهد حالة ركود، بعد أن أصبحت شيئاً من الماضي الغابر.

اليوم تجاوز الجدل حول جاهزية الجيش الإسرائيلي للحرب الحدود المعهودة، ولم يعد حكراً على الدوائر العسكرية المغلقة بل خرج إلى العلن، وأضحى مجالاً للتشكيك وتبادل الاتهامات بين قادة المؤسسة العسكرية، وتعددت التحديات التي يواجها الكيان الصهيوني في ظل تحولات شهدتها البيئة السياسية المحيطة، وذات تداعيات خطيرة على الأمن القومي الإسرائيلي .

في هذه الدراسة نستعرض التبدل والتغير في الخطط العسكرية متعددة السنوات، الذي يدفعنا للتساؤل:

  1. ما هي الخطط الأركانية متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي؟
  2. لماذا هذه القفزات القطعية المتناقضة في المفاهيم والخطط العسكرية الإسرائيلية؟
  3. لماذا يكثر مؤخراً الحديث حول اعتبار أن القوات البرية نقطة ضعف أساسية في الأداء العسكري؟
  4. هل هي ناتجة عن سوء تقدير وارتباك تجاه تبدل نوعية المخاطر، أم عن رؤية تلحظ متغيرات جيو – سياسية مستجدةً، يشهدها العالم من حول إسرائيل؟
  5. هل للجدل الدائر حول جاهزية القوات البرية علاقة بتطور قدرات المقاومة؟

للإحاطة بمصفوفة الأسئلة هذه، والسعي لالتقاط أجوبتها، لا بد من قراءة فاحصة للخطط الأركانية متعددة السنوات، وكذلك الإضاءة على متغيرات البيئة الإقليمية المحيطة بها.

المطلب الأول: مسار بناء القوات وطرق تشغيلها

نظرية بناء القوات المسلحة هي أحد العلوم النظرية العسكرية التي تدرس في الأكاديميات العسكرية العليا والتي تعرف بأنها منظومة من التدابير والمعارف والمبادي السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية والأيدولوجية والاجتماعية والقانونية والتنظيمية لبناء القوة العسكرية، وتحديد الاتجاهات الرئيسية لتطوير القوات المسلحة وتحديد شكلها وقوامها المطلوب وإعدادها وتجهيزها للدفاع عن الدولة بشكل يؤمن التعامل مع العدائيات الداخلية والخارجية المحتملة ([1]).

إن الباحث في موضوعات القوة والقدرة ومفرداتهما وما يشتق منهما من مبادئ ونظريات عمل وإجراءات تعبوية ومعنوية؛ لا بد أن يرى القوة وفي الوقت الذي يشى اسمها أنها ذات طابع يحمل في طياته القدرة على إنفاذ ما يريد مالكها وما يرجو، إلا أنه يرى أيضاً أن القوة قد تحمل في طياتها سبب فشلها ووهنها وسبب دمارها في نفس الوقت الذي تحمل فيه سبب موت ودمار وذل متحديها، لذلك فإن مالك القوة إن لم يع ويعرف ويدرك ويتصرف بناءً على قاعدة تقول: إن مجرد امتلاك أسباب القدرة، لا يعني أنك تملك أسباب القوة إن لم تكن عارفاً بأسباب ومسببات وهنها وضعفها([2]).

وقبل الخوض والحديث حول التحديدات التي تواجه الخطط الأركانية للجيش الإسرائيلي، سنثبت في بداية دراستنا أصلاً ثابتاً متفق عليه فيما يخص مسار بناء القوات وطرق تشغيلها، وهو أن مسار بناء القوات وتشغيلها محكوم بالسياسات والضوابط الآتية:

أولاً: الأهداف السياسية المراد تحويلها إلى مهام عسكرية (المهمة).

فقد قيل إن أهم ما يأخذه المقاتل معه عندما يذهب إلى الحرب، ليس السلاح ولا العتاد؛ وإنما الجواب على سؤال (لماذا)؛ لماذا يقاتل؟ لماذا يضحي؟ في سبيل من ستراق دماؤه أو تبتر أطرافه وأعضاؤه ؟ أو تقيد حريته؟ إن الجواب على هذا السؤال هو من مهام المستوى السياسي الأول في الدولة أو الحركة أو الكيان، فهو في المبدأ عمل سياسي، وفي منتهاه عمل تعبوي، يتمثل بتلك المهام التي يشتقها القادة العسكريون، فهم من يحول الأهداف السياسية إلى مهام عسكرية. إن أخطر ما ينبني على عدم التحديد الدقيق للمهمة ما يعرف بمتتالية الأخطاء ([3]).

ثانياً: الجغرافيا المطلوب تشغيل القوات فيها وعليها (الأرض)

الملامح الطوبوغرافية الطبيعية لمسرح الحرب تؤثر بشكل كبير على العمليات العسكرية، وخصوصاً إذا كانت أنهاراً أو جبالاً، وكل من تلك الملامح يمكن أن تسهل تحركات الجيش، ويمكن أن تعيق تحركات الجيش.

فالأرض تقتل جاهلها ويقتلها عالمها، والقصور في معرفة طوبوغرافيتها وديمغرافيتها يعني السير على غير هدى في حقل ألغام غير منظم، والخلل في معرفتها يعني قصوراً في معرفة نوع القوة التي ستتحرك عليها صنفاً وتركيباً واستعداداً، فليست كل قوة قادرة على التعامل بنجاح مع أي تهديد في أي أرض، فلكل أرض خصوصية، ولكل طبوغرافية وديموغرافياً ما يناسبها من تشكيلات وقدرات وإجراءات ([4]).

ثالثاً: العدو المراد مواجهته ومنعه من تحقيق أهدافه وعقيدته القتالية هجوميةً، دفاعيةً (العدو).

فقد قيل قديماً على لسان الحكيم صن تزو المقولة الشهيرة، من عرف نفسه وعرف عدوه انتصر في كل معركة يخوضها أو منازلة ينازلها. إن عدم معرفة العدو كمعرفة كف اليد يعني، عدم القدرة على تحديد المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تصدر عنه، مما يفضي إلى عدم تخصيص القدرات في المكان والزمان المناسب، أو الضن بها وعدم استخدامها حيث يجب أن تستخدم، الأمر الذي يسبب الهزيمة، وفقدان القوة لمبرر وجودها. كما أن القصور في عدم معرفة العدو بالشكل الصحيح يعني فيما يعني؛ عدم معرفة نقاط ضعفه التي تشكل مقتلاً له فنأتيه منها، وعدم معرفة نقاط قوته التي يجب أن نتجنبها أو ندبر لأنفسنا تدبيراً يقيناً شرها، فحربنا مع عدونا حرب غير متكافئة في القدرات والإجراءات، وأصل أصول الحرب غير المتكافئة؛ معرفة نقاط قوة وضعف الخصم، ومعرفة نقاط قوتنا وضعفنا، ومن هذا الأصل تشتق باقي الأصول وتستنبط الإجراءات ويوضع مسار بناء القدرات ([5]).

رابعاً: الذات وما يطرأ عليها من تغييرات مادية ونفسية؛ سلباً أو إيجاباً (الذات).

إن المبالغة في توصيف الذات يفضي إلى وهن القوة؛ وهن في البناء ابتداءً ناتج عن خلل في تحديد الاحتياج الحقيقي المطلوب، كنتيجة للمبالغة في توصيف الذات والثقة الزائدة عن الحد في القدرات المملوكة والمتاحة، الذي يعمي عن رؤية نقاط الضعف، ووهن في تشغيل هذه القدرات انتهاءً والذي يأتي كمحصلة لعدم تشغيل المناسب من القدرات لمواجهة التهديدات الناتج عن ( نفخ ) الذات ([6]).

خلاصة الأمر، أن الإعداد للحرب يشتمل على الخطوات التي تتخذها الدولة للحفاظ على قوة البلاد وخصوصاً القوة العسكرية، ودراسة النظم الممكنة للقوات المعادية لمعرفة مسرح الحرب والعمليات، لأن أول الأشياء الهامة لنجاح الحرب واستمرارها حتى تحقق أهدافها أن نقدر قوات العدو، وتنظيم القوات وتدريبهم بما يكفي وعلى أعلى مستوًى حتى يمكن التغلب على قوات العدو، كما أن العمليات العسكرية تتأثر بشدة بالموقع الجغرافي للمسرح الحربي، وبالحدود، والملامح الطوبوغرافية، والحصون، والسياسة، والاقتصاد وذلك من أجل ابتكار خطة للحرب، وذلك لكي يتمكن الجيش من التحرك بالقوات والتمركز في النقاط الأمامية للحرب، سواء كانت دفاعيةً أو هجوميةً بناءً على الخطة، وهو ما ينقلنا للحديث حول الخطط العسكرية الإسرائيلية وآليات تطبيقها وطبيعة التحديات التي تواجه الاحتلال الإسرائيلي .

المطلب الثاني: الخطط الأركانية (خطة الجيش الإسرائيلي متعددة السنوات):

تظهر الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية عبر الخطط الأركانية التي تقر كل خمس سنوات، وترسم من خلالها أهداف السياسة العسكرية وآليات تطبيقها، ومجالات استخدام القوة، التي تتناسب مع طبيعة التحديات التي يواجها الكيان الصهيوني. وتلحظ كل خطة جديدة المتغيرات التي حدثت في المرحلة السابقة، والناجمة عن نتائج الحروب وتبدلات الجيوسياسيةً.

يعمد الجيش الإسرائيلي بصورة متواصلة إلى تطوير قدراته القتالية في مواجهة ما يسميه التحديات العسكرية أمام ” إسرائيل “، فما إن يتولى رئيس هيئة أركان قيادة الجيش منصبه، حتى يشرع في وضع خطة تدريبية بموازنة مالية ضخمة، تستخلص العبر من المواجهات السابقة، بما يسمح لها بتحقيق انتصارات، على حد وصف العدو ([7]).

خضعت العقيدة القتالية الإسرائيلية، في غضون عقدين تقريباً إلى عدة مراجعات متتالية، عبرت عنها خطط كيلع وتيفين وعوز وجدعون وتنوفا، حصلت المراجعة الأولى عقب حرب الخليج الأولى والثانية في أعقاب الغزو الأميركي للعراق العام 2003، والمراجعة الثالثة أتت بعد حرب صيف، أما الرابعة فأحدثها “الربيع العربي” لا سيما تداعيات انفجار الوضع في سورية، والخامسة فكانت نتاج حرب غزة 2014، إلى أن وصلنا لخطة الزخم “تنوفا”، فكان دور القوات البرية مثار جدل وعرضة للتبديل والتغيير في المراجعات والخطط العسكرية التالية :

أولاً: خطة “كيلع” (2003 – 2006)

عمد رئيس الأركان، آنذاك، الجنرال موشيه يعلون إلى تعيين فريق عمل “طاقم التفكير الآخر” غداة غزو العراق مباشرةً، وبعد جولات من النقاشات المغلقة، أصدر ذاك الفريق كتيباً بعنوان “جزيئات ديناميكية“، أوجز فيه رؤيته تجاه المخاطر المستقبلية المتمثلة بحركات المقاومة، وكيفية مواجهتها بواسطة أسلوب “القتال المتفرق“. وهي تصنف، أي حركات المقاومة، في خانة المخاطر المنخفضة وفقاً للتعريف الإسرائيلي. وبحسب مضمون الكتيب، فهذا النوع من القتال لا يحتاج فرقاً مدرعةً لإخضاع الخصم، إذ يكفي استخدام نيران سلاح الجو، والمسح الاستخباري، والصواريخ العالية الدقة، ووحدات برية نخبوية (جزيئات ديناميكية) لتدمير قوة العدو والسيطرة على أرض المعركة. وبموازاة مشروع طاقم التفكير أعدت آنذاك، شعبة العمليات في هيئة الأركان خطة “كاسحة الجليد” وفحواها التوليف بين نيران سلاح الجو، ونشاط وحدات نخبوية.

ولدت خطة “كيلع” القائمة على فكرة “الحرب عن بعد” وقد صدقت في هيئة الأركان صيف العام، وأهم مضامين تلك الخطة وتأثيراتها على القوات البرية كانت على النحو الآتي:

  • خفض حجم القوات البرية العاملة بنسبة 10% وتسريح 89 ضابطاً برتبة عميد، وعشرات الضباط برتبة عقيد من قوًى البر، كذلك الاستغناء عن وحدات احتياطية، وإلغاء كتائب حراسة المستوطنات، وتقليل أيام التدريب الاحتياطي.
  • إلغاء ما عرف بقيادة الجبهة الوسطى، وتقليص موازنة القوات البرية خلال سنوات 2003 – 2006، نحو 30%.
  • الاستغناء عن بعض برامج إنتاج دبابة “ميركافا – 4” وناقلات جند مدرعة، والصواريخ المضادة للدبابات، والمدافع، تدريجاً، خلال السنوات الخمس اللاحقة.
  • إعادة تأهيل القوات المسلحة وتدريبها، لاستيعاب البرامج والأسلحة الحديثة.
  • الإبقاء على الميزانيات المخصصة للأبحاث والتطوير، خصوصاً في مجال الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار.

وفي أعقاب فشل “حرب لبنان الثانية” 2006 صب أغلب الجنرالات والخبراء الإسرائيليين جام غضبهم على خطة كيلع، منتقدين أسلوب إدارة الحرب، ومغالاة القيادة العسكرية في الاعتماد على سلاح الجو، وإهمال دور الجهد البري. وتم تحميل القدر الأكبر من المسؤولية إلى الجنرال دان حلوتس، القادم من سلاح الجو إلى رئاسة هيئة الأركان. علماً أن مفهوم كيلع صدق في عهد موشيه يعلون، وعلق الخبير العسكري عميراً ربابورات على أسباب الفشل قائلاً: “لقد تبنى الجيش الإسرائيلي المقاربة التي ترى أن سلاح الجو المدعوم باستخبارات قوية هو الحل لكل المشاكل؛ فالسلاح الذي ولد كمساند للقوات البرية تحول إلى السلاح المفترض به أن يهزم العدو”([8])

ورأى الباحث الإسرائيلي العقيد رون طيراً: “إن المشكلة تكمن في التبني الحماسي الزائد عن الحد للنظرية الأميركية Effects Based Operation” ([9]) بدوره، اعتبر الباحث الأميركي ديفيد جونسون أنه قبل العدوان على لبنان، وقعت ثلاثة أحداث أثرت على الإسرائيليين في توقعاتهم بشأن مستقبل الحروب، وهي حرب كوسوفو وغزو أفغانستان وغزو العراق. هذه الحروب كشفت عن ثورة في الشؤون العسكرية؛ بخاصة في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وشن الغارات المحددة. كل هذا، عزز لدى بعض المسؤولين الإسرائيليين اعتقاداً بأن الهجوم الجوي يعتبر وسيلةً ناجحةً لكسر عزيمة العدو، وتحديد نتائج النزاع سلفاً، من غير خسارة ضحايا كثر وأضرار جانبية، ومن دون تكلفة عالية، تؤثر على الرأي العام”([10])

ثانياً: خطة “تيفين” (2008 – 2012)

جاء الإعلان عن خطة ” تيفين ” الخماسية لتطوير الجيش الإسرائيلي، بين عامي 2008 – 2012، بهدف رئيس يتمثل ببناء الجيش وتسليحه وتدريبه من أجل أن يكون في وسعه أن يؤدي مهمته، وهي “الدفاع عن إسرائيل ومواطنيها“. كما أن الخطة تفحصت “مجمل التهديدات والانعطافات المحتملة في المنطقة، بهدف الاستعداد والمواجهة، وكذلك بهدف أن يتم، في وقت لاحق، وضمن عملية منظمة، وفي إطار الموارد المتوفرة، تقديم أجوبة على التحديات المستقبلية” ([11]).

افترض الإسرائيليون أن تعيد خطة تيفين المستخلصة من دروس “حرب لبنان الثانية” البريق إلى القوات البرية التي خضعت خلال السنة التي سبقت إقرارها إلى تدريبات ومناورات مكثفة. فعكست الخطة إعداد إسرائيل لحرب قادمة، ولذلك فإن أهدافها تدور حول الآتي ([12]):

  1. تعزيز كفاءة القوات البرية، كماً ونوعاً، ورفع قدرتها على المناورة ببعديها الأفقي والرأسي، وسرعة الحركة.
  2. تقوية الذراع الطويلة للقوات الجوية وأنظمة الإنذار والتجسس الفضائي، لتأمين السيطرة الجوية المطلقة على منطقة الشرق الأوسط.
  3. تحسين التفوق النوعي للقوات البحرية ورفع قدرتها للعمل في المياه العميقة، وقطع خطوط المواصلات البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وقدرتها على استخدام صواريخ كروز من قطع بحرية.
  4. من أهم أهداف الخطة الوصول إلى “جيش متعدد الأهداف“، قادر على الانتقال من مهمة إلى أخرى بعد إخضاعه لعمليات ملاءمة. وهذا الهدف يصعب تحقيقه على المستوى الاستراتيجي، ويمكن تحقيقه على المستوى التكتيكي.

أعادت خطة تيفين إلى الجيش الإسرائيلي روحية المناورة والحركة والنار، وحملت في طياتها إلغاءً عملياً لمفاعيل خطة كيلع، ونظرية ” الحرب عن بعد ” وفكرة الجيش الصغير والذكي. وأرجعته إلى المربع الأول في إستراتيجيته القائمة على الحرب الخاطفة السريعة، وعمادها تقوية القوات البرية إلى جانب سلاح الجو.

وهذا ما أكده أشكنازي بالقول “لا يوجد بديل عن القوات البرية، لا في الجيش الإسرائيلي، ولا في غيره من الجيوش. إن التغييرات التكنولوجية والتحديث، والنيران الموجهة عن بعد، وتعزيز قوة الأسلحة الجوية والبحرية، لا يمكنها أن تشكل بديلاً من القوات البرية، لقد أكدت الحرب على لبنان أهمية المعركة البرية التي تشترك فيها قطاعات من مختلف الأسلحة باعتبارها عنصراً مركزياً وحيوياً لقدرة الجيش الإسرائيلي على حسم المعركة، وأنه لا يمكن حسم كل شيء عن بعد ([13])“.

لم تقتصر الحماسة للخطة الخمسية الجديدة على أشكنازي وجنرالاته، فقد علق أيهود باراك عليها قائلاً: “هذه الخطة تعزز قوة الجيش الإسرائيلي، وتكيفه لمواجهة التحديات التي تنتصب أمام الدولة، وهي تشكل رافعةً للتجديد والبناء وتحسين التفوق النوعي”([14])

لم تكن خطة تيفين التي أعادت الروح إلى القوات البرية موضع إجماع لدى المراتب القيادية الإسرائيلية بشقيها المدني والعسكري، وكان بعضهم لا يزال يراهن على التكنولوجيا وقدراتها العالية في توفير الإجابات عن الأسئلة الصعبة التي أفرزتها “حرب لبنان الثانية”

ورغم أن خطة “تيفين” تشمل تزويد الجيش الإسرائيلي بعدد كبير من الدبابات والطائرات، وتنبيهه من جملة التهديدات والتحديات والانعطافات، إلا أنها بنظر هذه المحافل تفتقد تماماً إلى البعد القيمي الذي “ينفخ الروح في الجسم”، وهو اعتراف بفشل الخطط السابقة، خاصةً وأن نموذجي حرب لبنان 2006، وحرب غزة 2009، فغابت التسوية بين “الضرورات والمخاطر”، وتبين أن الموارد اللوجستية مصابة بنواقص كثيرة في عناصر مختلفة مثل : التصدي للصواريخ قصيرة المدى، والإخفاقات في بناء القوة ([15]).

ثالثاً: خطة “عوز” (2011-2014)

سرعت الرهانات التكنولوجية في ولادة خطة عوز، التي فرضت على الجيش الإسرائيلي استدارة نصف دائرية، مطيحه بخطة تيفين ورؤًى أشكنازي، حول بعث الروح في جيش الشعب، ومعها كل الجهد المبذول، خلال السنوات الماضية، من تدريبات ومناورات واستحداث وحدات برية جديدة.

تنص الخطة الخماسية “عوز”، بصورة عامة، على تقليص فرق سلاح البر نظراً إلى اندثار خطر الحرب التقليدية على جميع جبهاتها الحدودية وآخرها الجبهة السورية، وعلى وجوب زيادة الإنفاق على المشروعات المتعلقة بأجهزة الاستخبارات، وبالقدرات القتالية المتطورة لدى أسلحة الجو والبر والبحر، وعلى المشروعات المتعلقة بالحرب السيبرانية في شتى الجوانب، وأساساً جمع المعلومات الاستخباراتية، والدفاع والهجوم ([16]).

تأتي “خطة عوز“، وفقاً لتصريحات قيادة الجيش الإسرائيلي، استجابةً لتغير طابع الحرب في العقدين الماضيين من حرب بين جيوش نظامية إلى حرب بين جيش نظامي وميليشيات مسلحة؛ ولاعتماد الحرب الجديدة أكثر فأكثر على إطلاق النار عن بعد، من خلال استخدام الصواريخ والقذائف والطيران الحربي، وبالتالي تحول الجبهة الداخلية إلى جبهة قتال. ويشير محللون عسكريون إسرائيليون إلى أنه حال تطبيق “خطة عوز” سيصبح الجيش الإسرائيلي سيصبح بحلول العام 2018 “جيشاً أصغر ومزوداً بأسلحة متطورة ودقيقة أكثر بكثير من ذي قبل”([17]).

ما إن أبصرت خطة عوز النور، حتى بدأ أهل الاختصاص والإعلام في الكيان الصهيوني، التبشير بمفاهيم ومصطلحات حقبة ما قبل “حرب لبنان الثانية” فعاد الحديث عن الجيش الصغير والذكي، والحرب غير المتناظرة، والحسم بواسطة النيران الكثيفة، لا سيما نيران سلاح الجو والصواريخ المجنحة المتطورة.

إذا نظرنا إلى لب خطة عوز، لوجدنا روحيةً كيلع قابعةً في أعماقها، وكأن تلك الحرب لم تحدث قط، وخلاصاتها ودروسها لم تكن موضع تمحيص ومتابعة على مدى أشهر. وفي قراءة لتأثير خطة عوز على القوات البرية نركز الحديث على النقاط الثلاث التالية الواردة في الخطة:

  1. تسريح خمسة آلاف جندي نظامي.
  2. وقف استخدام سلاح المدرعات دبابات قديمة يعود تاريخها إلى ستينات القرن الماضي، وإخراجها من الخدمة خلال السنوات الخمس المقبلة تدريجاً.
  3. إدماج وحدات من المدفعية وتقليص عديد قواتها.

تشير البنود الثلاثة، بوضوح، إلى تقليص ملاك سلاح البر. وبهذا الخصوص كتب عوفر شيلح “عن خفض ميزانية القوات البرية، وتخفيض المناورات التي تكلف ميزانيات طائلةً” وشيلح صاحب كتاب “لماذا يجب إحداث ثورة في الجيش الصهيوني؟” وهو من أكثر المتحمسين لفكرة الجيش المهني المحترف، ويعبر عن رأي شريحة من الخبراء الإسرائيليين، الذين يعتقدون أن حيز العمليات البرية، سيضيق كثيراً في نزاعات المستقبل. ويقترح هؤلاء، العناية أكثر فأكثر بوحدات النخبة والقوات المنقولة جواً، كونها أكثر ملاءمةً لخوض القتال قبالة تنظيمات مقاومة، تجنح نحو الحرب غير المتماثلة.

رابعاً: خطة “جدعون” (2015 – 2019)

انطلقت الخطة السنوية المتعددة “جدعون” التي بادر بها ويقودها رئيس هيئة الأركان جادي آيزنكوت منتصف سنة 2015، بهدف تطوير الجيش “الإسرائيلي” على مختلف الأصعدة من خلال إعادة التقييم وإنشاء منظومات جديدة.

تكمن أهمية الخطة في أنها استخلصت معظم دروس حربي لبنان الثانية 2006، وغزة 2014، حيث برزت فيها أخطاء نبعت من عدم فهم الأوامر بتحديد أهداف الحرب، وتعريف الحسم والانتصار، ولماذا يجب أن نطمح، وماهي حدود تقسيم الوظائف بين المستويين السياسي والعسكري، وتأتي هذه الوثيقة لتعطي رداً لهذه الأسئلة. ([18])

تنص الوثيقة على تشكيل مركز تنسيق في قسم العمليات التابعة للجيش الإسرائيلي بين مختلف أذرع الجيش والأجهزة السرية، وبناء قدرة لإنزال قوات ونقل فرق مشاة لميادين القتال عبر المروحيات والطائرات، بهدف شن غارات ميدانية على مراكز “الثقل للعدو”، جنباً إلى جنب مع توسيع حدود القدرة على القيام بعمليات خاصة واسعة النطاق في عمق “العدو”

في إطار الخطة المتعددة السنوات ل “جدعون”، طبقت عدة خطوات تنظيمية أهمها: توحيد ذراع العمليات البرية وذراع السايبر واللوجستيك من أجل تعزيز الرؤية البرية الكاملة، وكما تم إلحاق الكتيبة في التكنولوجية والإمدادات البرية، وكذلك وحدة ماجال أصبحت ضمن هذا القسم. وتم صياغة مفهوم الذراع الموحد، وبصورة أساسية عبر بناء القوات البرية ضمن مسؤوليات القيادة، والأنظمة التكنولوجية واللوجستية، وبمسؤولية هيئة الأركان العامة ([19]).

يرى “إيزنكوت”، حتى ثلاثين عاماً سيبقى العامل البشري هو ساحة المعركة الرئيسية، على الرغم من أن القتال سيكون له مكونات تكنولوجية، وحتى اللحظة أظهرت الوقائع الميدانية أهمية وضرورة القوات البرية، ويمكن أن نخلص إلى أنه سيكون من الأهمية المناورة الأرضية والالتقاء الجسدي للقوات المحاربة، وجهاً لوجه، على الرغم من التغيير الذي حدث بشكل جذري في طبيعة القتال، مثل الحروب السيبرانية والتكنولوجية ([20]).

في المقابل يعتقد بعض الخبراء العسكريين ان الخطة الجديدة لم تحمل أي جديد، باستثناء التعديلات التي طالبت بها لجنتا مريدور عام (1986) وعام (2006) التي كان من أهمها ضم مصطلح الدفاع إلى جانب مصطلحات الردع والإنذار المبكر وحسم المعركة إلى الاستراتيجية الجديدة. ونتيجةً للتطورات التكنولوجية والعولمة، أضيفت ساحتا حرب جديدتان هما (التجسس والقرصنة الإلكترونية والصراع من أجل اكتساب الرأي العام الدولي) وهي ساحات ليست مقتصرة على إسرائيل فقط، بل لكل دول العالم.

خامساً: خطة “تنوفا” تحل مكان “جدعون”

خطة “تنوفا“، والتي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2020 وتنتهي في عام 2024، تحل “تنوفا” محل خطة “جدعون“، التي قادها رئيس الأركان السابق، غادي إيزنكوت، وكان مركزها تعزيز القوات البرية، وتعزيز قدرة الجيش الإسرائيلي على الردع والنشاط التشغيلي في إطار (الحرب بين الحربين) التي تهدف إلى تآكل قدرات العدو. انتهى هذا الفصل وفتح الفصل الخاص بكوخافي، الذي سيشكل صورة جيش الدفاع الإسرائيلي في العقد القادم.

يرى شموئيل إيفن باحث في معهد بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية ان خطة ” تنوفا ” كانت ضروريةً لتحسين قدرات الجيش الإسرائيلي في ضوء التغيرات السلبية في المجال الأمني – خاصةً فيما يتعلق بمحور إيران وسوريا وحزب الله، في وقت الموافقة على خطة جدعون ( 2016 )، كان هذا المحور منشغلاً أكثر بالحرب الأهلية في سوريا، وكان الاتفاق النووي مع إيران لا يزال سارياً . بالإضافة إلى التغييرات في كلتا المسألتين، اعتقد كوخافي أن هناك دروساً ومناهج معينةً يجب تنفيذها في الجيش الإسرائيلي ([21]).

في 26 يناير 2020، وافق وزير الجيش آنذاك نفتالي بينيت على خطة ” تنوفا “، لكن تقرر أن المداولات داخل مجلس الوزراء من أجل الموافقة على خطة ” تنوفا ” لن تحدث إلا بعد الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة، في 13 فبراير 2020، أعلن الجيش الإسرائيلي : “بعد عملية متعمقة وشاملة، تنوفا، الخطة المتعددة السنوات الجديدة للجيش الإسرائيلي ( 2020 – 2024 ) التي تدور حول تكثيف فتك الجيش – في النطاق والدقة” .

تهدف الخطة في الأساس إلى جعل الجيش أكثر تكنولوجيةً وأشد فتكاً، وهو هدف وضعه كوخافي بعيد دخوله إلى منصبه الحالي، حيث صرح بعد استلامه المنصب بأنه سيعمل على جعل الجيش أكثر فتكاً، من خلال توسيع قوة النار التي يستعملها، وبصورة واسعة ومتعددة في البحر والجو واليابسة، وفي حرب السايبر والحرب الإلكترونية.

ويشكل الدفاع عن الحدود ركناً مركزياً في خطة كوخافي، غير أن خطته تعتمد على الاستثمار بالجيش بحيث يكون 70% للهجوم و30% للدفاع. ويشير محللون إسرائيليون إلى أن هذا التوجه قد لا ينسجم مع تصور نتنياهو حول رؤيته التي تركز في العقد القادم على السايبر، سلاح الجو والدفاع الجوي.

وفي عرضه لخطته الخمسية، قال كوخافي إن “تنفيذ الخطة متعددة السنوات “تنوفا” سوف يمكن الجيش الإسرائيلي من اكتساب قدرات كبيرة، فهي تعزز القوة الفتاكة للجيش، سواء في الحجم أو الدقة، وتخلق ظروفاً لتقصير مدة المعركة، والتحديات حولنا لا تعطينا الإمكانية للانتظار ولذلك وبرغم تعقد التعقيدات، فإن الخطة بدأت تنفذ ([22])”.

يشبه مفهوم التشغيل الذي تفرضه خطة كوخافي الجديدة إلى حد كبير الوثيقة التي كتبها عضو الكنيست بار – ليف وعوفر شيلح في بداية عام 2019، وهم أعضاء اللجنة الفرعية للجنة الشؤون الخارجية والدفاع، تحت عنوان ” القوة البرية في جيش الدفاع الإسرائيلي في العقد المقبل”.

الفرق بين الخطط الأركانية متعددة السنوات خلال الفترة (2003 – 2021)

 

خلاصات الخطة

نتائج الخطة

خطة “كيلع”

(2003-2006)

رئيس الأركان

موشيه يعلون

1ـ قائمة على فكرة “الحرب عن بعد”

2ـ خفض حجم القوات البرية العاملة بنسبة ١٠ ٪.

3ـ إعادة تأهيل القوات وتدريبها، لاستيعاب البرامج والأسلحة الحديثة.

في أعقاب فشل “حرب لبنان الثانية” 2006 صب أغلب الجنرالات جام غضبهم على خطة كيلع، منتقدين أسلوب إدارة الحرب، والاعتماد على سلاح الجو، وإهمال دور الجهد البري

خطة “تيفين”

(2008-2012)

رئيس الأركان

جابي أشكنازي

1ـ تعزيز كفاءة القوات البرية، كماً ونوعا.

2ـ تقوية الذراع الطويلة للقوات الجوية وأنظمة الإنذار والتجسس الفضائي.

3ـ الوصول إلى “جيش متعدد الأهداف”

ألغت عملياً خطة كيلع، ونظرية “الحرب عن بعد” وفكرة الجيش الصغير والذكي.

وأرجعته إلى إستراتيجية الحرب الخاطفة السريعة، وعمادها تقوية القوات البرية إلى جانب سلاح الجو

خطة “عوز”

2011-2014

رئيس الأركان

بيني غانتس

1ـ تقليص فرق سلاح البر

2ـ زيادة الإنفاق على المشروعات المتعلقة بأجهزة الاستخبارات، وبالقدرات القتالية المتطورة لدى أسلحة الجو والبر والبحر، وعلى المشروعات المتعلقة بالحرب السيبرانية

أطاحت بخطة تيفين ورؤى أشكنازي، حول بعث الروح في جيش الشعب، ومعها كل الجهد المبذول، خلال السنوات الماضية، من تدريبات ومناورات واستحداث وحدات برية جديدة. وتوضح فشل الخطة خلال حرب غزة 2014

“خطة جدعون”

2015- 2019

رئيس الأركان

جادي آيزنكوت

1ـ توحيد ذراع العمليات البرية وذراع السايبر واللوجستيك

2ـ تشكيل مركز تنسيق بين مختلف أذرع الجيش والأجهزة السرية

3ـ تعزيز قدرة الجيش الإسرائيلي على الردع والنشاط التشغيلي في إطار (المعركة بين الحروب)

الخطة لم تحمل أي جديد، باستثناء التعديلات التي طالبت بها لجنتا مريدور عام (1986) وعام (2006) التي كان من أهمها ضم مصطلح الدفاع إلى جانب مصطلحات الردع والإنذار المبكر وحسم المعركة إلى الاستراتيجية الجديدة. وأضيفت ساحتا حرب جديدتان هما (التجسس والقرصنة الإليكترونية والصراع من أجل اكتساب الرأي العام الدولي)

خطة “تنوفا”

2020-2025

رئيس الأركان

أفيف كوخافي

1ـ جعل الجيش أكثر تكنولوجيةً وأشد فتكاً

2ـ الحفاظ على نوعية القوى البشرية بجيش الاحتلال

3ـ رفع مستوى الدافعية للخدمة بالجيش

4ـ ملائمة ذراع البر وفقا للمتغيرات المختلفة

5ـ مضاعفة القدرات الدفاعية بمجال السايبر، والربط بين الأذرع المختلفة.

جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية وجهت ضربة قوية لخطة “تنوفا”، وتسببت في تجميد العديد من البنود المتعلقة بالمنظومات الدفاعية والهجومية الواجب الحصول عليها خلال الأعوام المقبلة، لضمان تحديث القوة العسكرية الإسرائيلية، ومواكبتها لأهداف هذه الخطة

المطلب الثالث: التبدل والتغير في الخطط الأركانية ودور القوات البرية فيها

الجيش الإسرائيلي يسعى كل الوقت لأن يعيد بناء تصوره ووحداته وبنيته بحسب مرحلة الحروب الجديدة التي تتميز بالحروب غير المتجانسة، أي بين جيش نظامي أو جيش دولة وبين منظمة عسكرية أقل من جيش نظامي، وصعوبة الوصول إلى نقطة الحسم العسكري، فضلاً عن دخول الجبهة المدنية كجبهة مركزية، إضافةً إلى أهمية الإعلام والصورة كجزء من الحرب أو المعركة على الوعي. ولذلك قام كل قائد أركان جديد ببناء تصور لما يراه مناسباً للجيش الإسرائيلي بموجب تغير بيئة التهديد وطبيعة الحرب.

أولاً: التبدل والتغير في المفاهيم والخطط العسكرية

حرصت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في العقد الأخير، أن تجري مراجعات وقراءات تقييمية للبيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل من منظور أمنها القومي، وفقاً للتحولات والتغييرات التي حلت بالعالم العربي نتيجة الأزمات المتتالية، كمشهد سيؤدي إلى تحول استراتيجي إقليمي وتاريخي. ومازالت الاستخبارات العسكرية والتقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية تشير إلى حتمية مرحلة انتقالية في اتجاه إعادة إنتاج بيئة استراتيجية مغايرة مملوءة بالتهديدات للأمن القومي الإسرائيلي لها تأثيرات وتداعيات متنوعة.

يمكن القول، إن أبرز ما في الرؤية الاستخباراتية الإسرائيلية الراهنة هو عدم قدرة الاستخبارات العسكرية على ادعاء الوضوح في استشراف مجريات الأمور، والسبب في ذلك التغييرات المتسارعة في خريطة التهديدات في المنطقة التي من شأنها أن تؤدي إلى أخطاء في التقديرات الاستخباراتية، فلا رؤيا بعيدة المدى والحسابات رهن التطورات ([23]).

استندت الرؤية الإسرائيلية على أن إسرائيل دولة صغيرة وسط عالم عربي كبير يهدف إلى تدميرها، وبالتالي فإن قضية الأمن بالنسبة لها ليست مسألة فقدان سيادة بل إنها تهديد للبقاء ” من الناحية الفيزيائية ” وبالتالي فإن عليها – حسب تعبيرات إيجال آلون – أن تستعد لأسوأ حالة متصورة، وهي هجوم عربي شامل تشنه عدة دول عربية ضدها من جهات مختلفة، وقد أدى ذلك إلى اعتماد مبدأين في السياسة العسكرية الإسرائيلية، هما ([24]):

الأول: أن تتعامل مع الدول العربية على أساس قدراتها وليس على أساس نواياها، في ظل وجود احتمالات دائمة للتنسيق فيما بينها.

الثاني: أن تمتلك قوةً عسكريةً تتفوق على مجموع عناصر القوة المسلحة للدول العربية التي يمكنها أن توحد قواتها وتنسق فيما بينها، والهدف هو ردع الدول العربية بمنعها من شن هجوم كبير، وإذا ما اندلعت الحرب يتسنى لها كسبها.

يرى المحللون العسكريون الإسرائيليون أن خطط بناء القوة العسكرية والاستعداد هي مسألة قرار حول السيناريو الذي سيتم فيه بناء القوة العسكرية من خلال: القيود المادية والبشرية، وقدرات التكنولوجيا في (إسرائيل)، يرتبط ذلك أيضاً بالعلاقات العسكرية مع الدول الأخرى، وخاصةً الولايات المتحدة. وان عملية بناء القوة العسكرية، هي نوع من التسوية بين ما هو مطلوب للتعامل مع جميع التهديدات المحتملة، والقدرة الفعلية على الحفاظ على هذه القوة، حيث يتم بناء القوة العسكرية في ضوء السيناريو المرجعي الذي يحدده رئيس الأركان، في ضوء توجيهات المستوى السياسي.

على سبيل المثال، سيناريو بناء القوة للقتال على الجبهة اللبنانية، يتشكل من خلال طبيعة حزب الله وقدراته العسكرية وبنيته التحتية القتالية والأسلحة التي يمتلكها وطبيعة الأرض اللبنانية وما إلى ذلك من الأسس الذي تستند إليها مبادئ بناء القوة العسكرية، لذلك، فإن استخدام القوة العسكرية التي يتم إنشاؤها للقتال في لبنان سيتطلب تعديلات معينةً إذا ما حدثت مواجهة في غزة أو الضفة الغربية، حيث تتميز غزة والضفة الغربية بعدو مختلف وبنية تحتية مختلفة وخصائص أخرى للأرض غير التي تم فيها بناء السيناريو للقتال على الجبة اللبنانية .

بعد التوقيع على اتفاقيات سلام مع مصر ومن بعدها الأردن أدركت إسرائيل أن زمن الحروب الشاملة مع الدول العربية ولى إلى حين. ما دفعها إلى وضع تعريف جديد للتهديدات والجهات التي تهددها مثل حزب الله وحركة حماس، وغيرها من الفصائل التي لا تتطلع إلى احتلال أراض لعدم امتلاكها القدرة على ذلك. بل، إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والمعنوية في صفوف الإسرائيليين، ضمن حروب استنزاف طويلة الأمد، تؤدي إلى انهيار إسرائيل على المدى البعيد.

وكون الرؤية المذكورة أعلاه سيطرت على الفكر السياسي والعسكري الإسرائيلي خلال العقد الأخير، فإن هذه القفزات المتناقضة في المفاهيم والخطط العسكرية الإسرائيلية، قد تكون ناتجةً عن ([25]):

  1. التطور السريع في الأدوات القتالية الذي انعكس حكماً على تطور مفهوم المعركة في مختلف مراحلها.
  2. التطور والتغير الحاصل على مفهوم التهديد والمخاطر الناتجة عنه وعلى مختلف الصعد.
  3. تعدد جهات التهديد التي تواجه العدو إيران، حماس، حزب الله، التهديد الداخلي الناتج عن طبيعة المجتمع الإسرائيلي وتناقضاته وما تملكه هذه الجهات من قدرات تهديد ينتج عنها مخاطر مختلفة، الأمر واجب الراعية عند بناء القدرات.
  4. توعية الرأي العام الإسرائيلي، إلى المخاطر الجديدة التي بدأت تواجهها الجبهة الإسرائيلية الداخلية، المتمثلة بإطلاق صواريخ بعيدة المدى على قلب المدن الإسرائيلية مثل تل أبيب والقدس وحيفا من كيانات لا تمثل دولاً.

الحقيقة الماثلة وفق التقييم السابق، ان القفزات المتناقضة في المفاهيم والخطط العسكرية الإسرائيلية، قد تكون ناتجةً عن سوء تقدير وارتباك تجاه تبدل نوعية المخاطر، أو عن رؤية تلحظ متغيرات جيو – سياسية مستجدةً، يشهدها العالم من حول إسرائيل.

ثانياً: القوات البرية نقطة ضعف أساسية في الأداء العسكري

الخطط متعددة السنوات “الخطط الأركانية” في العقد الأخير تمحورت حول أهمية وضرورة تطوير القوات العسكرية الإسرائيلية فيما يتعلق بقواتها البرية في إطار الدروس والعبر التي أسفرت عنها حرب لبنان 2006، وحروب غزة ( 2008 – 2012 – 2014 )، وانعكست في تقرير لجنة فينوغراد وتقارير مراقب الدولة عن أوجه التقصير التي كشفت عنه هذه الحروب، وخصوصاً في مجال عمل القوات البرية وأدائها، وأيضاً في ضوء الدروس والخبرات المكتسبة من الحروب الإقليمية الدائرة في العراق وأفغانستان، وما حدث من تطويرات تقنية متسارعة في أنظمة التسليح والمعدات الحربية على الصعيد العالمي .

يكثر الحديث في الأوساط العسكرية الإسرائيلية حول اعتبار ان القوات البرية نقطة ضعف أساسية في الأداء العسكري الإسرائيلي للأسباب التالية:

1- التحولات في نمط الحروب والتهديدات

تعد أزمة سلاح البر في الاستراتيجية العسكرية، ناتجة من التحولات والتغيرات في نمط الحروب الجديدة، ولاسيما في ظل النقاش في شأن إعادة الاعتبار إلى القوات البرية، وفق العبرة الأمريكية التي تقول، بحسب تجربة أفغانستان، هي عدم إمكان حسم المواجهة أو الحرب من دون تدخل القوات البرية وتحديثها في المواجهات العسكرية، بعدما تغيرت ميادين القتال، وتمكن العدو الحالي، حركة حماس وحزب الله من إبطال كثير من فاعلية الجيوش البرية الإسرائيلية بفعل توزيع نقاط الانتشار لقواتهما على مساحة واسعة من أرض لبنان وغزة، إذ لم تعد هذه الجيوش قادرةً على توغل بري يستطيع شل قدرة العدو، أو إبطال قدرته الصاروخية، ومنع استمرار المواجهة وضرب العمق الإسرائيلي ([26]).

كما أن هناك دوراً في طبيعة التهديد الذي يواجه العدو القائم على سلاح المشاة والمدفعية القوسية والمباشرة لدى قوى المقاومة والتي لا يمكن أن يتم تأكيد تحييدها إلا عبر سلاح مشاة العدو الذي فيه مشاكل بنيوية كثيرة، والاعتماد الزائد عن الحد لدى العدو على أتمتة القدرات القتالية والتدمير عن بعد، الأمر الذي يمكن تجنبه عبر عمليات الدفاع السلبي من قبل المقاومة أو الاشتباك مع العدو ضمن مسافات الأمن للأسلحة النوعية مدفعية، سلاح طيران، صواريخ، وعليه لا يمكن تأكيد تحييد قدرات المقاومة إلا عبر سلاح المشاة، أيضا العقيدة القتالية لدى قوى المقاومة قائمةً على نظرية الحرب غير المتكافئة والتي عمادها مواجهة القدرات المتطورة بقدرات أقل تطور منها مما يفقد الأولى نقاط قوتها، وهنا يفقد العدو نقاط تميزه وليس أمامه سوى سلاح المشاة لحسم به، وهو نقطة ضعفه ([27]) .

ظهر لافتاً، ان هذه القفزات المتناقضة في الخطط والمفاهيم العسكرية، مرتبطة بالتقدير الإسرائيلي بالتحولات على الخارطة التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل، بالماضي كان يعتبر الخطر الأساسي هي الجيوش النظامية لذلك تم التركيز على سلاح المشاة وبعد ذلك تم إهماله عندما توصلت إسرائيل إلى اتفاقات سلام مع مصر وتفكك الجيش السوري وتراجع التهديد العراقي، وأصبحت إسرائيل تواجه تنظيمات من غير الدول بالإضافة إلى ايران التي لا تشارك إسرائيل بحدودها بالتالي خطر العمل البري تقلص بسبب التحول على خارطة التهديدات من نظامية إلى تنظيمات وتهديدات غير تقليدية مثل السلاح النووي والسلاح السيبراني وسلاح الصواريخ التي لا يمكن مواجهتها بسلاح المشاة ([28]).

2- قلة الاعتماد على القوات البرية

قلة الاعتماد على القوات البرية أدى إلى ظهورها عند الحاجة إليها في أرض المعركة، بمظهر الضعيف وقلة الخبرة. كما حصل في حرب تموز 2006 ضد لبنان. فوجدنا القوى البرية قليلة الخبرة في التعامل مع المعارك وضعيفةً في الأداء. فلم تستطع القوات السيطرة على قرية واحدة خلال ثلاث وثلاثين يوماً. أيضا خلال الحروب مع غزة وجدنا قوات الاحتلال عاجزةً عن التوغل البري. إذن نحن فعلاً أمام جيش إسرائيلي ضعيف على المستوى البري. وهذه نقطة ضعف كبيرة لهذا الجيش كون ما من جيش في العالم يستطيع الانتصار فقط من الجو ([29]).

ونتيجةً لذلك “أهمل الجيش الإسرائيلي عن عمد المتطلبات الضرورية للقتال البري” كما يقول الجنرال “ بريك ”، مؤكداً أنه مع تولي اللفتنانت جنرال ( متقاعد ) دان حلوتس رئيساً للأركان في عام 2005 عانت القوات البرية من إهمال كبير، ما أدى إلى إخفاقات كبيرة في الحرب التي اندلعت مع “حزب الله” في الصيف التالي.

إسحاق بريك مفوض شكاوى الجنود نتاج عدة تقارير أصدرها بعد حربي 2006 في لبنان و 2014 في غزة بالإضافة إلى نتاج جهده في التفتيش على الجيش، وصل لقناعة بأن سلاح المشاة بكل ألويته المختلفة قد أهمل بسبب ما اعتبر بالجيش الإسرائيلي تغير على طبيعة المعركة، وأن المعركة تعتمد على السلاح الدقيق والحروب السيبرانية، هذا التوجه جعل الجيش يقلص من اهتمامه بتطوير سلاح المشاة، ويرى ان ذلك يشكل خلل استراتيجي .

ومن الجدير ذكره، أنه في العام السابق لمواجهة إسرائيل مع “حزب الله” اللبناني عام 2006، أجريت استقطاعات في الميزانية المخصصة للقوات البرية بلغت 25% عن السنوات السابقة على الحرب، في مقابل زيادة الإنفاق على القوات الجوية. وقد اعتبرت لجنة فينوجراد (المسئولة عن التحقيق في أسباب ضعف أداء الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب) أن إهمال القوات البرية وعدم القيام بدورها بفعالية في الحرب غير المتناظرة ضد “حزب الله” كان من الأسباب المؤدية لهذه الهزيمة الإسرائيلية.

3- الارتباك وسوء التقدير

الإسرائيليون الآن يعتقدون أن المنطقة عموماً والجبهات المتوترة خصوصاً في غزة ولبنان وسوريا وايران، قد تحمل متغيرات جيوسياسية مفاجئةً لصانع القرار العسكري الإسرائيلي، مما يجعل الخطط العسكرية الإسرائيلية في حالة تبدل وتغير على مدار الساعة، هذا يجعلها تدخل في حالة سوء التقدير تارةً والارتباك تارةً أخرى، وبالتالي يأتي التطبيق ترجمةً حقيقيةً لسوء التقدير، لأن ما يسبق الترجمة الميدانية للسلوك العسكري هو وضع الخطة، وإذا شاب هذه الخطة حالة من الارتباك أو سوء التقدير بالضرورة ينجم عنها إخفاق عسكري وفشل عملياتي، وهذا ما تم ملاحظته في حروب غزة الأخيرة 2008، 2012، 2014، فضلاً عن العمليات العسكرية الخاطفة المسماة المعركة بين الحروب في لبنان وسوريا والعراق، نتيجةً لاندماج جملة من سوء التقدير والارتباك والتغيرات الجيوسياسية ([30]) .

حالة الارتباك في اتخاذ القرارات الأمنية، هي ناتجة من تعود إسرائيل على الانتصارات الخاطفة والحروب السريعة التي يستطيع المجتمع تقبلها وتحملها، لكن الآن في ظل واقع أمني وسياسي واقتصادي معقد وتركيبة ديموغرافية موجودة، إسرائيل لا تستطيع احتمال حروب طويلة، في الانتفاضة الثانية كانت هناك هجرة كبيرة من إسرائيل باتجاه الخارج لسبب بسيط ان المجتمع الإسرائيلي غير مستعد للتضحية في الوقت الذي يستطيع الاستغناء عن هذا الواقع والعيش حياةً هادئةً في الغرب ([31]).

بالتالي الجيش الإسرائيلي لا يمتلك رؤيةً أمنيةً واضحةً، لأنه ليس لديه الاستعداد بالتضحية بعدد كبير من الجنود، لان ذلك سيؤدي لردة فعل عكسية سلبية في الداخل الإسرائيلي، إسرائيل لا تريد حرب تكلفها عدد قتلى كبير، حتى لو حققت فيها انتصار لأن لذلك انعكاس سلبي على حياتها وسكانها وعلى قدرتها على الاحتمال، الجبهة الداخلية الإسرائيلية غير جاهزة لاحتمال مثل هذا الموضوع ([32]).

على الجانب الآخر، إسرائيل تخشى من المفاجأة تحديداً في قطاع غزة، صحيح هي تحاصر القطاع وعندها قوة تدميرية عالية، والحقيقة الماثلة وفق التقييم العسكري الإسرائيلي أن المقاومة تعد المفاجآت للحرب القادمة، هذا يربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشكل مستمر، وهم على قناعة أن أي حرب قوية على غزة تعني اشتعال القدس والضفة وربما الداخل الفلسطيني المحتل، لان هناك ترابط فكري كبير، رغم محاولة إسرائيل الفصل بين الأمرين، في حرب 2014 حدثت بعض الأحداث في الضفة وبعدها بشهور بدأت انتفاضة السكاكين التي استمرت قرابة 7 شهور وأثرت بشكل واضح على الاحتلال .

4- التطورات السيكولوجية لدى العامل البشري

طبيعة التطورات السيكولوجية لدى العامل البشري عند العدو وميله إلى الدعة والراحة وعدم الاستعداد لتحمل الأكلاف البشرية للمعارك، الذي نتج عنه الميل نحو التجنيد والعمل في صنوف القتال التكنلوجية 8200، 504، 9900، أكثر من الصنوف التي تشتبك مع العدو في قتال قريب ([33]).

في المقابل الأهل كان لهم دور في تراجع العقيدة القتالية لدى أبنائهم، هذا الأمر ساهم في أن الكثير من الإسرائيليين يفضلون الذهاب للوحدات القتالية التكنولوجية والسايبر فيما الوحدات البرية نسبة المنخرطين فيها قليلة جداً، وأن من يذهب للوحدات البرية هم الفئة الأقل جودة في المجتمع لأنهم لا يجدون فرصةً لهم في وحدات التكنولوجية والسايبر، فكل مقعد بوحدة السايبر يتقدم له ثمانية من الجنود، أما كل مقعد فارغ بالوحدات البرية والمدرعات يتقدم له (نصف) اقل من واحد لكل مقعدين يتقدم واحد فقط ([34]).

هناك شعور بالملل من جانب الشبان الإسرائيليين الذين بمجملهم هم من الغربيين الذين يريدون نمط الحياة الغربية والعيش بحرية وانفتاح، ويشاهدون التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي من فساد سياسي وامني واقتصادي، ويتساءلون إلى متى سيستمر القتال، وأن كيانهم لم يستطع الحصول على الشرعية وهي مستمرة بهذا الوضع، هذا الأمر ساهم بشكل أساسي بعدم رغبة المتجند بتقديم نفسه في سبيل الوطن في ظل التناقضات الداخلية الموجودة، عن هذه القضية قال إلى يشاي في كتاب إسرائيل إلى أين : ان المنتمين لإسرائيل فقط هم 25% من السكان و 75% لا ينتمون لها ([35]).

كما ينشر قسم الموارد البشرية في الجيش معطيات سنويةً عن أفواج المجندين، وأكدت تقاريره للسنوات الأخيرة أن الشبيبة اليهودية غدت أقل حماسةً للتجنيد، وأقل رغبةً للانخراط ضمن وحداته القتالية، وذلك لهذه الأسباب ([36]):

  • انخفاض مكانة الخدمة العسكرية بوصفه تعبيراً عن الانتماء للدولة.
  • عدم تحقق الوعود بحسم الحروب التقليدية دون دماء وعرق ودموع، وعدم بناء روح قتالية.
  • تصاعد معدلات “العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة في إسرائيل“، وتحولها إلى “مجتمع الثلاثة V” “الفيديو والفولفو والفيلا“، وظهور الإسرائيلي الذي ينصرف عن الخدمة العسكرية ويفر منها.

خلاصة القول، نلحظ من خلال استعراض العقيدة القتالية الإسرائيلية، أنها في غضون عقد زمني خضعت تقريباً إلى خمس مراجعات متتالية، كان واضحاً فيها التركيز على التفوق الجوي، وانعكس ذلك تدريجياً على إهمال نسبي للقوات البرية؛ إذ سادت قناعة لدى القيادات العسكرية بأن المناورة والمعركة البرية تنتمي لحروب الماضي، ولهذا كان اهتمامهم الأكبر بتحديث وتقوية القوات الجوية، لتصبح أساس ومحور التحديث الفعلي في الجيش الإسرائيلي . وبمعنى آخر، أصبح الإدراك الإسرائيلي للمفاهيم الجديدة حول مستقبل الحرب مفاده أنه لن تكون هناك “حروب كبيرة وعالية الشدة”. وفي حالة حدوث مثل هذه الحروب فإنه ينبغي محاربتها – على الأرجح – بمعلومات استخبارية عالية الجودة، ومن خلال استخدام قوة نيران طويلة المدى يتم الاعتماد فيها على القوات الجوية لتدمير أهداف العدو.

المطلب الرابع: دور وتأثير قوى المقاومة في جاهزية الجيش الإسرائيلي

لا شك أن المقاومة الفلسطينية واللبنانية لديهما فضل السبق في هذا الجدل والإرباك عند الإسرائيليين، والان يعتقدون أنهم أمام تحدي جدي، المقاومة لم تعد تخوض حروب عصابات من خلال مجموعات متناثرة وخلايا عسكرية مشتتة، فالجيش الإسرائيلي اتفق على تسمية المقاومة الفلسطينية في غزة بأنها جيش شبه نظامي فيما ان حزب الله جيش نظامي، وهذا يجعل الإسرائيليون يعتقدون اعتقاداً جازماً بالرغم من اختفاء الحروب النظامية بعد تراجع الجيوش العربية مصر وسوريا والعراق، بظهور تحديات لا تقل خطورةً هي المنظمات من دون الدول والتي تخوض حروب عصابات وتنحاز بشكل اكبر لحروب الجيش النظامي، وهذا يضع تحدي للجيش الإسرائيلي لم يكن حاضراً في أدبياته السابقة، تجعله في حالة تكيف إجباري وقسري مثل ما حصل مع الجيش الأمريكي في أفغانستان في العراق والجيش السوفيتي في أفغانستان والجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة، بالتالي المقاومة الفلسطينية واللبنانية فرضت نفسها على إحداث هذا التغير القسري والإرباك اللافت في مخططات الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة ([37]).

أولا: علاقة تطور قدرات المقاومة بجاهزية الجيش الإسرائيلي

هل للجدل الدائر حول جاهزية القوات البرية علاقة بتطور قدرات المقاومة وامتلاكها صواريخ موجهةً دقيقةً وعالية الكفاءة، وهل هذه المتغيرات كافية لتبرير الحيرة المفاهيمية لدى العدو؟

الخطط الصهيونية المتواصلة تؤكد ما تشكله المقاومة من حالة استنزاف للمقدرات الصهيونية على الصعيد البشري والمادي. وقد أثبتت المواجهة المباشرة قدرة المقاتلين المقاومين على مواجهة جيش العدو، على الرغم من العمل الدؤوب على استخلاص العبر، وما أداء المقاومة في العام 2006 والعام 2014، من خلال التصدي للقوات البرية، إلا خير دليل على أن أرض الميدان لها لغة مختلفة ([38]).

تطور القدرات البشرية والمادية لقوى المقاومة إيجاباً، أبرز نقاط ضعف سلاح المشاة عند العدو؛ الأمر الذي يجبر العدو على التوقف لاستخلاص العبر والتغيير المناسب في مسار بنائه لقدراته القتالية ([39]).

الانقلاب الذي حدث في داخل جيش الاحتلال يرجع في أصله إلى الحرب التي وقعت على غزة عام 2014 حيث أثبتت الحرب ان العدو المقابل قد تطور وامتلك الأسلوب وغير الوسائل وعددها، وعدم قدرة القوات البرية على حسمه في هذه الحرب هو ما دفع ايزينكوت إلى تغير تركيبة الجيش كلياً كي تتلاءم مع العدو الجديد والفعال والقادر على الحسم، ومع طبيعة استمرار المعركة لوقت طويل وهو الأمر الذي يخدم العدو ولا يستطيع الجيش الإسرائيلي الصبر عليه ([40]).

في غزة أصبح العدو متيقناً أن المقاومة قادرةً على قصف تل أبيب بصواريخ ذات شحنات متفجرة عالية. ومدن أبعد من تل أبيب أيضا. وقد أثبتت ذلك الجولات الأخيرة مع العدو عندما قصفت ببعض من هذه الصواريخ لترسل للعدو رسالةً مفادها أن صواريخ المقاومة لم تعد ذات ضرر محدود. وبالفعل فإن احدى هذه الصواريخ أصاب مبنى فأدى إلى تدمير كبير فيه([41]).

إذن المقاومة اليوم تمتلك أسلحة متطورةً وصواريخ ضد الدروع وصواريخ ذات شحنات متفجرة كبيرة وذات مدى أكبر أيضا. والعدو يعرف ذلك جيداً. هذه المعرفة تجعل العدو متوجساً جداً من الدخول في صراع مع المقاومة كونه هو سيكون المتضرر الأكبر من هذه الحرب. وانطلاقاً من هذه المعرفة فان القيادة العسكرية الإسرائيلية لا تريد حرباً لأنها تعلم أنها ستخسر فيها. ولذا نجد هذا الجدال الدائر حول جهوزية الجيش الإسرائيلي متوجهاً في أساسه نحو التلميح إلى إبعاد الجيش عن أي حرب ضروس مع المقاومة.

ثانياً: استيعاب الجيش الإسرائيلي الدروس المستفادة من العمليات العسكرية؟

فوجئ الجيش الإسرائيلي مراراً وتكراراً خلال مواجهته فصائل المقاومة، وكانت المفاجأة بسبب الفرق بين المعرفة والفهم، وصعوبة استيعاب أهمية التهديد، وعدم استعداده لذلك، ونلحظ بعد كل عمل عسكري يخوضه الجيش الصهيوني يعلق العسكريون بالجيش ” لقد تم دراسة العملية واستخلاص الدروس المستفادة منها ونعمل الآن على تنفيذها “.

من خلال متابعتي للتقارير العسكرية الإسرائيلية وتحليلات المختصين العسكريين الإسرائيليين، حول طرق وأدوات الجيش الإسرائيلي في إدارة الدروس المستفادة من المعارك مع المقاومة، خاصةً بعد الكثير من الانتقادات العلنية للجيش، طرحت عدة أسئلة منها، هل يتعلم الجيش الإسرائيلي حقاً من الدروس؟ وهل الدروس التي يستخلصها صحيحة؟ وهل إذا تصرف الجيش وفقاً للدروس المستفادة وتم تنفيذها فسوف يستعد للحرب القادمة؟

بعد كل عملية عسكرية يبدأ الجيش في تحديد الدروس المستفادة سواء كانت هذه العملية محدودةً أو موسعةً، مباشرةً أو غير مباشرة، وبالتالي لا يمكن الجزم بأن الدروس المستفادة منها قابلة للتطبيق في الحرب القادمة.

يقول اللفتنانت كولونيل دوتن دورك مرشد أكاديمي لدورة القيادة والأركان : “عدم قدرتنا على مراعاة المنظور التاريخي والمستقبلي بشأن القضايا يقودنا إلى مواجهة التحديات دون استجابة مناسبة ولذلك نتفاجأ في كل مرة، كما حدث بالتحدي المتمثل في التعامل مع الأنفاق في إطار المواجهة المستمرة في قطاع غزة، وحرب لبنان الثانية، وعملية الرصاص المصبوب، وعملية الجرف الصامد، والتحدي المتمثل بتنظيم وتطوير قدرات القوات البرية . صحيح أن عملية التعلم واستخلاص الدروس وتنفيذها تتم بطريقة تمكننا من تقليل المفاجآت لقواتنا في الحرب وزيادة الفعالية التشغيلية للقوات”([42]).

بمراجعة سريعة لعدد من المعارك التي خاضها الكيان الصهيوني، نلحظ العديد من الحالات التي فاجأت الجيش الإسرائيلي على الرغم من معرفته بها، فخلال الحروب والمواجهات التي خاضها الجيش الإسرائيلي منذ إنشائه حتى الآن صدم بعدد لا بأس به من المفاجآت مختلفة الأنواع، منها اندلاع الحرب بشكل مفاجئ كما حدث في حرب أكتوبر 73، ومنها ضرب صاروخ C – 802 على البارجة البحرية في حرب لبنان الثانية 2006، وكذلك استخدام الأنفاق في حرب غزة 2014 م، ويرى الإسرائيليون أن المفاجأة لا تحدث سهواً لدى الاستخبارات لديهم، فالكثير من حالات التحقيق بالتهديدات كانت معروفةً لدى استخبارات العدو ولدى القادة الميدانيين والقيادة السياسية العليا، ولعل أكثر مثل يضربه الاحتلال الإسرائيلي هو تهديد الأنفاق الهجومية من قطاع غزة التي استخدمت خلال حرب غزة 2014 م، وتوضح هذه الحالة وغيرها من الحالات حجم الفجوة الكبيرة بين الاعتراف بالتهديد وفهمه واستيعابه أثناء القتال .

فهناك فجوة بين النظرة السائدة والواقع في ميدان القتال، وهناك منافسة بالتعلم واستخلاص الدروس المستفادة، وتقدير الموقف، وأخذ العبر بين الجيش الإسرائيلي وقوى المقاومة، وكجزء من هذه المنافسة يحاول الاحتلال الإسرائيلي تعديل عقيدته القتالية على المستوى التكتيكي، ويتم التغيير المنهجي في هوية ( العدو ) وطابعه العسكري، ويسعى لضبط تصور الرد على هذا التغيير، ووفقاً لقيادة العدو العسكرية فإنهم نجحوا بالفعل في الجزء الأكبر من المهمة، وتم تحديد التغير في البيئة، غير أنه ما زال هناك تأخر في فهم الفرق بين التغيير ونماذج استخدامها، وبعبارة أخرى هناك فجوة بين التغير في طبيعة البيئة الاستراتيجية والنهج النظامي المستخدم في الجيش الإسرائيلي .

يرى المحللون العسكريون الإسرائيليون أن بناء القوة العسكرية والاستعداد هي مسألة قرار حول السيناريو الذي سيتم فيه بناء القوة العسكرية من خلال: قيود الموارد، والقيود المادية والبشرية، وقدرات التكنولوجيا في (إسرائيل)، يرتبط ذلك أيضاً بالعلاقات التجارية العسكرية مع الدول الأخرى، وخاصةً الولايات المتحدة.

يقول اللفتنانت كولونيل دكتور دوتن دورك في دراسة أعدها حول عملية استخلاص الدروس من العمليات العسكرية، أنه من خلال عمليات التفتيش المختلفة التي تقوم بها هيئات الرقابة الداخلية والخارجية، يظهر العديد من أوجه القصور في استعداد الجيش لأداء مهامه المختلفة، بسبب التوصيات التي تمت في بناء القوة العسكرية، وكذلك في إدارة المخاطر وفقاً للتوترات المختلفة، على سبيل المثال، مراقب الدولة، القاضي يوسف حاييم شابيرا، الذي علق في تقريره حول عملية “الجرف الصامد” بأن الفجوة في استعداد القوات للتعامل مع تهديد الأنفاق كانت معروفةً للجيش ونشرت في تقرير سابق منذ عام 2007 . ومع ذلك، أشير إلى وجود عيوب وتقصيرات خطرة في استعداد الأجهزة الأمنية للتعامل مع هذا التهديد في الأعوام التي سبقت عملية “الجرف الصامد” في صيف 2014 وخلال العملية

وأن الاحتكاك الشديد في ساحة المعركة والالتقاء بالتحديات التي كانت معروفةً من قبل و القدرة على التعامل معها تزيد من حدة الفجوات وطرق المواجهة المفترض العمل بها، فالحروب والمعارك تكشف الكثير من الفجوات والتحديات بين الوضع المرغوب واستعداد القوات والوضع الحالي فقد كانت حرب لبنان الثانية نموذجاً لذلك، حيث دخلت القوات البرية الحرب بفجوات على جميع المستويات : من قادة الألوية والطائرات بدون طيار والافتقار إلى الخبرة ومشغلي الأسلحة في القيادة والسيطرة على الوحدات القتالية وحجم الثغرات في المناورات الأرضية .

باعتقادي هناك عدة أسباب لفشل العدو في التنبؤ بساحة المعركة المستقبلية:

منها الإخفاقات الاستخباراتية، والفشل في اتخاذ القرار، وإخفاقات الجندي نفسه، ويتم التعبير عن إخفاقات الجندي في عدم فهمه للتعليمات وما يترتب على ذلك من ترجمة خاطئة على أرض الميدان، والتحيز المحتمل لدى القائمين على عملية استخلاص الدروس بحيث يميلون إلى استخلاص الدروس التي تكمن وراء تفكيرهم، وتعزيز الاتجاهات التي يعملون فيها، وبالتالي، لا يوجد اختراق جدي ونوعي، ولكن تحسن تكتيكي في الأداء .

كما يرى عدد من الخبراء العسكريون، أن الافتراض بوجود ثغرات معروفة بإدارة المخاطر في بناء القوة والقدرة يؤدي مع اندلاع الأعمال العسكرية، أن تحاول الأجهزة الرقابية بتحديد الدروس المستفادة بسرعة لبناء القوة والاستعداد، من أجل الحصول على الموارد اللازمة من خلال الميزانيات المفتوحة، هذه الخطوة صحيحة من ناحية، وتمكن من زيادة سريعة نسبياً في مستوى تأهب القوات، ولكن من ناحية أخرى يوجد خطران مهمان :

  1. من المحتمل أن تأخذ هذه الخطوة الموارد التي كان من المناسب أن تستثمر في قضية أخرى مهمة وأكثر تأثيرا في بناء القوة للحرب القادمة.
  2. قد يكون الدرس المستفاد غير مكتمل بسبب عدم وجود عملية احترافية وكاملة لدراسة الموضوع والتحقيق فيه.

يقول العميد ساعر تسور، قائد فرقة الاحتياط 252 “من الممكن القول إن هناك فجوات كبيرةً في الطريقة التي يتم بها تخطيط وإدارة الدروس المستفادة من الحروب والعمليات في الجيش الإسرائيلي بشكل عام وفي القوات البرية بشكل خاص، وان هناك فجوة في استيعاب الدروس وإخفاقات ميزت عملية التعلم من الدروس المستفادة خلال المعارك العسكرية، بالإضافة لمسألة ثقة القادة وضباط الأركان بالدروس المستفادة ويظهر صعوبةً لدى القادة في استيعاب هذه الدروس” .

من الفحص والمتابعة لمدى استيعاب الجيش الإسرائيلي لاستنتاجات الحروب والمعارك وخاصةً دروس الأرض يدل ذلك لوجود العديد من الثغرات والفجوات في عملية التعلم والاستجواب واستخلاص الدروس وتطبيقها، هذه الفجوات لدى العدو ليست موجودةً على المستوى الاستراتيجي فقط، ولكن أيضاً في العمليات التكتيكية، وعلى ذلك فإنه قد تكون هناك عمليات تكتيكية للمقاومة في الحروب التي تقع في الوقت الحالي، وقد تكون هناك أحداث استراتيجية هامة، وهذا ما كان في حالة اختطاف جلعاد شاليط، فقد تحول الأمر من تهديد تكتيكي إلى مشكلة استراتيجية في ساحة المعركة، تحول المفاجأة بالعمل التكتيكي إلى عمل ذي أهمية استراتيجية في القتال، فالقتال بحد ذاته يشمل قدراً كبيراً من المعلومات حول العوامل المسببة للمفاجأة، حيث يتم تضمينه الأسلحة المبتكرة والتقنيات القتالية، يتبين من التجربة أنه وعلى مر التاريخ تفاجأ الجيش الإسرائيلي باستراتيجيات وتكتيكات عسكرية جديدة يستخدمها خصمه، وفي كثير من الحالات أدت المفاجأة التكتيكية والاستراتيجية إلى ضرورة إيجاد حلول فورية أثناء القتال عجزت القوات الإسرائيلية على التعامل معها ميدانياً .

النتائج

بعد دراسة التحديات التي تواجه الخطط الأركانية الإسرائيلية متعددة السنوات (كيلع وتيفين وعوز وجدعون وتنوفا) يمكن استنتاج ما يلي :

  1. تظهر الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية عبر الخطط الأركانية التي تقر كل خمس سنوات، وترسم من خلالها أهداف السياسة العسكرية وآليات تطبيقها، ومجالات استخدام القوة، التي تتناسب مع طبيعة التحديات التي يواجها الكيان الصهيوني. وتلحظ كل خطة جديدة المتغيرات التي حدثت في المرحلة السابقة، والناجمة عن نتائج الحروب والتبدلات الجيوسياسيةً.
  2. تبين من خلال استعراض الخطط القتالية الإسرائيلية، أنها في غضون عقدين خضعت تقريباً إلى خمس مراجعات متتالية، كان واضحاً فيها التركيز على التفوق الجوي، وانعكس ذلك تدريجياً على إهمال نسبي للقوات البرية؛ إذ سادت قناعة لدى القيادات العسكرية بأن المناورة والمعركة البرية تنتمي لحروب الماضي، ولهذا كان اهتمامهم الأكبر بتحديث وتقوية القوات الجوية، لتصبح أساس ومحور التحديث الفعلي في الجيش الإسرائيلي.
  3. الخطط الصهيونية المتواصلة تؤكد ما تشكله المقاومة من حالة استنزاف للمقدرات الصهيونية على الصعيد البشري والمادي. وقد أثبتت المواجهة المباشرة قدرة المقاتلين المقاومين على مواجهة جيش العدو، على الرغم من العمل الدؤوب على استخلاص العبر.
  4. أبرز ما في الرؤية الاستخباراتية الإسرائيلية الراهنة هو عدم قدرة الاستخبارات العسكرية على ادعاء الوضوح في استشراف مجريات الأمور، والسبب في ذلك التغييرات المتسارعة في خريطة التهديدات في المنطقة التي من شأنها أن تؤدي إلى أخطاء في التقديرات الاستخباراتية، فلا رؤيا بعيدة المدى والحسابات رهن التطورات.
  5. أظهرت الدراسة أن القوة قد تحمل في طياتها سبب فشلها ووهنها وسبب دمارها في نفس الوقت الذي تحمل فيه سبب موت ودمار وذل متحديها، لذلك فإن مالك القوة إن لم يعِ ويعرف ويدرك ويتصرف بناءً على قاعدة تقول : أن مجرد امتلاك أسباب القدرة، لا يعني أنك تملك أسباب القوة إن لم تكن عارفاً بأسباب ومسببات وهنها وضعفها .
  6. الأداء الفاشل للقوات البرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة وضع يد الإسرائيليين على جرح نازف لهم، ووضعوا خطط وبرامج عسكريةً متعددةً، لكن لم تخرج حتى الآن نتائج إيجابية مشجعة تجعل الجيش الإسرائيلي يبادر لتنفيذ عمليات عسكرية معتمداً بالدرجة الأولى على القوات البرية.
  7. أثبت الواقع العملياتي للجيش الإسرائيلي، وجود العديد من الثغرات والفجوات في عملية التعلم والاستجواب واستخلاص الدروس وتطبيقها، هذه الفجوات لدى العدو ليست موجودةً على المستوى الاستراتيجي فقط، ولكن أيضاً في العمليات التكتيكية، وفي كثير من الحالات أدت المفاجأة التكتيكية والاستراتيجية إلى ضرورة إيجاد حلول فورية أثناء القتال عجزت القوات الإسرائيلية على التعامل معها ميدانياً.
  8. شكلت المقاومة المسلحة عنصراً مهماً من عناصر تراجع جاهزية الجيش الإسرائيلي وضعف قواته البرية، بتطوير قدراتها القتالية التي دخلت بها مرحلة جديدة من الصراع، وأصبح باستطاعتها إيقاع عدد كبير من القتلى والإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي.
  9. تبين تطور قدرات قوى المقاومة العسكرية بعد كل مواجهة مع الاحتلال، حيث ترتقي لمراحل متقدمة من الإعداد والتخطيط والتجهيز العسكري المفاجئ، لكونها قد استوعبت الدروس الماضية، مما يقودها لتغيير تكتيكاتها في المواجهة القادمة.

التوصيات:

  1. يجب على قوى المقاومة دراسة الخطط الأركانية للجيش الإسرائيلي بصورة جادة، والوقوف على العقلية الإسرائيلية، كي يسهل التعامل معها في أي مواجهة مقبلة.
  2. ضرورة إجراء تغيرات في أنماط وأساليب وطرق تعامل قوى المقاومة مع الجيش الإسرائيلي وعدم الاعتماد على نمط محدد والتركيز على مبادئ الحرب التالية: المفاجأة والمباغتة والمناورة، لأنها تخلق الإرباك وضرورة إيجاد حلول فورية أثناء القتال.
  3. إعداد المزيد من الدراسات والأبحاث المستقبلية المتعلقة والمتعمقة في هذا الشأن، لما لها من أهمية في ظل الصراع القائم بين المقاومة والاحتلال.

الهامش

[1] – العقيد البحار الركن بهلول القيزاني، نظرية بناء القوات المسلحة، 03 نوفمبر 2015،  الرابط.

[2] – عبد الله أمين، وهن القوة !!!، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 11 يناير 2021،  الرابط

[3] – نفس المصدر السابق.

[4] – عبد الله أمين، وهن القوة 2/3، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 18 يناير 2021، الرابط.

[5] – نفس المصدر السابق.

[6] – نفس المصدر السابق.

[7] – حمزة أبو شنب، خطة “تنوفا” لمواجهة المقاومة، الميادين نت، الرابط.

[8] – عميرا ربابورات، فشل المفاهيم مرة أخرى، معاريف، 18/8/2006.

[9] – رون طيرا، تكسير عظام الأمبيا، يديعوت أحرونوت، 13/9/2006.

[10] – ديفيد جونسون، تقرير لمعهد “راند” الأمريكي، السفير، 21/1/2012.

[11] – عدنان أبو عامر، آخر مستجدات خطة “تيفين” لتطوير الجيش الإسرائيلي 2008-2012، الرابط

[12] – موسوعة المقاتل، الخطة الخمسية للجيش الإسرائيلي “تيفين 2012″، الرابط

[13] – يديعوت أحرونوت، 20/12/2007

[14] – صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، 1/4/2008.

[15] – عدنان أبو عامر، آخر مستجدات خطة “تيفين” لتطوير الجيش الإسرائيلي 2008-2012، الرابط

[16] – أنطوان شلحت، إسرائيل نحو إستراتيجية جديدة: “تحصين القلعة”!، الرابط .

[17] – موقع مدار، “خطة عوز”: جيش صغير وقوي عماده الاستخبارات والطيران الحربي نظراً إلى عدم وجود أي جيش نظامي عند حدود إسرائيل، الرابط.

[18] – استراتيجية الجيش الإسرائيلي، ترجمة عدنان أبو عامر، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2015 ص5

[19] – خطة جدعون للجيش، موقع العساس، تاريخ النشر 23 نوفمبر 2018،  الرابط

[20] – رامي أبو زبيدة، ما استراتيجية جيش الاحتلال للأعوام الـ 30 القادمة؟، موقع القدس الإخبارية، الرابط

[21] – شموئيل إيفن، خطة “تنوفا” متعددة السنوات.. أين موافقة مجلس الوزراء والميزانيات؟، معهد بيغن- السادات للدراسات الاستراتيجية،  الرابط.

[22] – القدس العربي، “تنوفا “.. خطة عسكرية إسرائيلية جديدة لمواجهة إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، 25 فبراير2020، الرابط.

[23] – فادي نحاس، المؤسسة الأمنية والعسكرية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص27

[24] – محمد عبد السلام، الحروب العربية الإسرائيلية، مركز الجزيرة للدراسات، 3/10/2004، الرابط .

[25] – عبد الله أمين، خبير عسكري وأمني مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 16/03/2021

[26] – فادي نحاس، المؤسسة الأمنية والعسكرية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص16.

[27] – عبد الله أمين، خبير عسكري وأمني، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 16/03/2021

[28] –  الدكتور صالح النعامي، باحث بالشأن الإسرائيلي، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 18/03/2021

[29] – هادي زعرور، باحث بالشأن العسكري، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 9/3/2019.

[30] – الدكتور عدنان أبو عامر، خبير الشؤون الإسرائيلية، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 20/03/2021.

[31] – عماد أبو عواد، باحث بالشأن الإسرائيلي، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 22/3/2021.

[32] نفس المصدر السابق

[33] – عبد الله أمين، خبير عسكري وأمني مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 16/03/2021

[34]– عماد أبو عواد، باحث بالشأن الإسرائيلي، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 22/3/2021.

[35] – نفس المصدر السابق

[36] – عدنان أبو عامر، الشباب الإسرائيلي عازف عن الخدمة في الجيش.. وهذه هي الأسباب، 14/3/2021، الرابط

[37] – نفس المصدر السابق

[38] –  حمزة أبو شنب، خطة “تنوفا” لمواجهة المقاومة، الميادين نت، الرابط.

[39] – عبد الله أمين، خبير عسكري وأمني مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 16/03/2021.

[40] – سعيد بشارات، باحث بالشأن الإسرائيلي، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ مارس 2019.

[41] – هادي زعرور، باحث بالشأن العسكري، مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 9/3/2019.

[42] – رامي أبو زبيدة، هل يستوعب الجيش الإسرائيلي الدروس المستفادة من العمليات العسكرية؟، 17/6/2019،  الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
Close
زر الذهاب إلى الأعلى
Close